كما تقول: إذا جئت فلانا فقد أفلحت، كأن الهدى قد حصل، فهو يخبر عنه حاصلا، ومعنى التوقع في «قد» ظاهر؛ لأنّ المعتصم باللَّه متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ١٠٢ ـ ١٠٣].
(حَقَّ تُقاتِهِ): واجب تقواه وما يحق منها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد: جواب لما يفعل، وزعم الخليل أن هذا لمن ينتظر الخبر، تقول: قد مات فلان، ولو أخبره وهو لا ينتظره لم يقل: قد مات فلان، وإنما يصدق (فَقَدْ هُدِيَ) إذا وجد المتوقع، وهو المعتصم بالله، منتظراً للهدى، فإذا حصل الهدى فقيل له: فقد هدي، ولو لم يحصل لم يقل ذلك، ولهذا قال: "لا محالة".
قوله: (واجب تقواه وما يحق منها) أي: (حَقَّ) هنا من: حق بمعنى: وجب وثبت، أي: الذي ثبت ووجب من التقاة، و"من" في "منها": بيان ما يحق، أي: اتقوا الله التقاة التي تجب وتحق له.
قال القاضي: هو استفراغ الوسع في القيام بالمواجب والاجتناب عن المحارم، وقيل: أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاة عليها، وأصل تقاة: وقية، فقلبت واوها المضمومة تاء كما في تؤدة وتخمة، والياء ألفاً.
الراغب: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، والتقوى: جعل الشيء في وقاية مما يخاف، وفي الشرع: حفظ النفس مما يؤثم، وذلك بترك المحظور، وذلك بترك بعض المباحات لما روي: "الحلال بيّن والحرام بيّن، ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه".