وأما النهي عن المنكر فواجب كله؛ لأنّ جميع المنكر تركه واجب؛ لاتصافه بالقبح. فإن قلت: ما طريق الوجوب؟ قلت: قد اختلف فيه الشيخان؛ فعند أبى علي: السمع والعقل، وعند أبى هاشم: السمع وحده. فإن قلت: ما شرائط النهي؟ قلت: أن يعلم الناهي أن ما ينكره قبيح؛ لأنه إذا لم يعلم لم يأمن أن ينكر الحسن، وأن لا يكون ما ينهى عنه واقعا، لأن الواقع لا يحسن النهي عنه، وإنما يحسن الذم عليه والنهى عن أمثاله، وأن لا يغلب على ظنه أن المنهي يزيد في منكراته، وأن لا يغلب على ظنه أن نهيه لا يؤثر؛ لأنه عبث.
فإن قلت: فما شروط الوجوب؟ قلت: أن يغلب على ظنه وقوع المعصية؛ نحو أن يرى الشارب قد تهيأ لشرب الخمر بإعداد آلاته، وأن لا يغلب على ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة. فإن قلت: كيف يباشر الإنكار؟ قلت: يبتدئ بالسهل، فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب؛ لأنّ الغرض كف المنكر. قال اللَّه تعالى: (فأصلحوا بينهما)، ثم قال: (فقاتلوا) [الحجرات: ٩]، فإن قلت: فمن يباشره؟ قلت: كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه، وقد أجمعوا أن من رأى غيره تاركا للصلاة وجب عليه الإنكار؛ لأنه معلوم قبحه لكل أحد.
وأما الإنكار الذي بالقتال، فالإمام وخلفاؤه أولى؛ لأنهم أعلم بالسياسة ومعهم عدتها. فإن قلت: فمن يُؤمر ويُنهى؟ قلت: كل مكلف، وغير المكلف إذا همَّ بضرر غيره مُنع، كالصبيان والمجانين، وينهى الصبيان عن المحرمات حتى لا يتعوّدوها، كما يؤخذون بالصلاة ليمرنوا عليها. فإن قلت: هل يجب على مرتكب المنكر أن ينهى عما يرتكبه؟ قلت: نعم يجب عليه؛ لأن ترك ارتكابه وإنكاره واجبان عليه فبتركه أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر. وعن السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا. وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد اللَّه يقول: لا أقول ما لا أفعل. فقال: وأينا يفعل ما يقول! ودّ الشيطان لو ظفر بهذه منكم، فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلا يأمر أحد) نصب على التمني الذي اشتمل عليه جملة قوله: "ود الشيطان لو ظفر بهذه منكم"، المعنى: تمنى الشيطان منكم حصول هذه الكلمة لئلا يأمر أحد بالمعروف.


الصفحة التالية
Icon