وقيل: هم جميع الكفار؛ لإعراضهم عما أوجبه الإقرار حين أشهدهم على أنفسهم: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢].
(فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ): ففي نعمته، وهي الثواب المخلد، فإن قلت: كيف موقع قوله: (هُمْ فِيها خالِدُونَ) بعد قوله: (فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ)؟ قلت: موقع الاستئناف، كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: (هم فيها خالدون) لا يظعنون عنها ولا يموتون.
(تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ١٠٨ ـ ١٠٩].
(تِلْكَ آياتُ اللَّهِ): الواردة في الوعد والوعيد، (نَتْلُوها عَلَيْكَ) ملتبسة (بِالْحَقِّ) والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين)، فيأخذ أحداً بغير جرم، أو يزيد في عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ): ففي نعمته، وهي الثواب المخلد)، إنما فسر الرحمة بالجنة لأنها مقابلة لقوله: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) ومقارنة لقوله: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، قال القاضي: عبر عن الجنة والثواب المخلد بالرحمة تنبيهاً على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله لا يدخل الجنة إلا برحمته وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم ذكرهم، ولكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين، أي: أن الكلام من اللف والنشر، لكن على غير ترتيب، بناءً على تلك النكتة.
قوله: ((وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً) فيأخذ أحداً بغير جرم) إلى آخره، قال القاضي: يستحيل تصور الظلم منه تعالى؛ لأنه لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يمنع عن شيء فيظلم بفعله، لأنه المالك على الإطلاق كما قال: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ).