ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به؛ لأن الإيمان إنما يعتد به ويستأهل أن يقال له: إيمان، إذا آمن بالله على الحقيقة، وحقيقة الإيمان بالله: أن يستوعب جميع ما يجب الإيمان به، فلو أخل بشيء منه لم يكن من الإيمان بالله في شيء، والمقام يقتضيه لكونه تعريضاً بأهل الكتاب، وأنهم لا يؤمنون بجميع ما يجب الإيمان به، ويدل على مكان التعريض قوله تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ)، ولاشك أنهم كانوا مؤمنين بالله وموافقين للمؤمنين في بعض الشرائع، لكنهم لما تركوا بعض الإيمان، كأنهم لم يؤمنوا!
وأيضاً، المقام مقام مدح للمؤمنين وكونهم خير الناس؛ لأن قوله: (وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) عطف على (تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)، وهو كلام مستأنف بيَّن به أن المؤمنين خير أمة في ماذا؟ فينبغي أن يكون هو أيضاً تعليلاً للخيرية، وأن يندرج تحته جميع ما يجب الإيمان به ليكون معتداً به صالحاً لأن يتمدح به، فلو خرج بعض الإيمان لم يكن مدحاً.
قال القاضي: إنما أخر، أي: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) وحقه التقديم؛ لأنه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيماناً بالله وإظهاراً لدينه.
وقلت: يعني إنما أخر ليكون تلويحاً إلى مكان التعليل، فإنه حينئذ من باب الإخبار عن حصول الجملتين في الوجود وتفويض الترتب إلى الذهن، ولو قدم لم يتنبه لتلك النكتة. ثم قال: واستدل بهذه الآية أن الإجماع حجة، لأنها تقتضي كونهم آمرين بكل معروف ناهين عن كل منكر، إذ اللام فيهما للاستغراق، فلو اجمعوا على باطل كان أمرهم على خلاف ذلك.
وقلت: ويجوز أن يراد بتقديم الأمر بالمعروف على الإيمان: الاهتمام، وأن سوق الكلام لأجله، وذكر الإيمان كالتتميم، ويجوز أن يجعل من باب قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: ٨٧] تنبيهاً على أن جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين أظهر شيء مما اشتمل عليه الإيمان بالله، لأنه من وظيفة الأنبياء.