ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ* يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ) بما وصف المؤمنين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله واليوم الآخر؟ فإذا المراد بالإيمان بالله: الإيمان المعتبر عند المؤمنين، لا إيمانهم، لأنهم لا يؤمنون بالله حق الإيمان ولا باليوم الآخر كما سبق في أول البقرة، والمراد بالخير في قوله: خيراً لهم مما هم: ما هو عليه المسلمون، وبالشر: ما هو عليه اليهود، لأن (خَيْراً) يقتضي المفضل والمفضل عليه، ولهذا قال: لكان الإيمان خيراً لهم مما هم عليه، وما هو عليه المؤمنون: هو تعاطي مكارم الأخلاق، والعزة والنصرة والفتح في البلاد، وحسن الأحدوثة في الدنيا، والزلفى عند الله في العقبى، وما عليه اليهود: مزاولة رذائل الأخلاق من المكر والخديعة والدهاء، وضرب الذلة والمسكنة عليهم في الدنيا، واستحقاق غضب الله ونكاله في العقبى، فقوله: (مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ) تفصيل لأصنافهم، وقوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) إلى قوله: (وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)، وقوله: (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ) الآية، تفصيل لأحوال الطائفتين منهم، وإنما أعاد ذكر الطائفة المؤمنة منهم بقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) ثم رتب عليه بيان أحوالهم لطول الكلام، وخص من أحوال الفسقة ما اختص بالمؤمنين من قوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) لأن الخطاب مع المؤمنين، فذكر من دغلهم وخبثهم ما أرادوا بالمؤمنين من الأذى على سبيل الاستئناف، لأن "لن" في النفي، واستعماله في جواب منكر نظيرة "إن" في الإثبات، فظهر أن قوله: (تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) كلمة جامعة حائزة لجميع أنواع الخيرات دنيا وعقبى، ولذلك علل خيرية هذه الأمة بها على سائر الأمم وفاقت عليها بها. وفيه: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعلى مناصب من له العزة والسلطان من الأنبياء والمرسلين والخلفاء الراشدين، لا من ضربت عليهم الذلة والمسكنة، والله أعلم.