(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) كما يضرب البيت على أهله، فهم ساكنون في المسكنة غير ظاعنين عنها، وهم اليهود عليهم لعنة اللَّه وغضبه. (ذلِكَ) إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبواء بغضب اللَّه، أي: ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات اللَّه وقتلهم الأنبياء.
ثم قال: (ذلِكَ بِما عَصَوْا) أي: ذلك كائن بسبب عصيانهم للَّه واعتدائهم لحدوده؛ ليعلم أنّ الكفر وحده ليس بسبب في استحقاق سخط اللَّه، وأنّ سخط اللَّه يستحق بركوب المعاصي كما يستحق بالكفر. ونحوه (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح: ٢٥]، (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) [النساء: ١٦١].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما يضرب البيت على أهله) أي: شبهت المسكنة بالقبة تشبيهاً بليغاً، ثم أخلت المسكنة في جنسها، ثم خيلت أنها هي، ثم جعلت تلك القبة المتخيلة مضروبة عليهم كما تضرب الخيمة على أهلها، فهم ساكنون فيها، ففي الكلام استعارة مكنية، ويدل عليه قوله: "كما يضرب البيت على أهله"، لأن الاستعارة مسبوقة بالتشبيه، وقد سبق تمام تقريره في البقرة، وليس بكناية كما ذهب إليه وهم أكثر الناس، وأنه من باب قوله:
| إن السماحة والمروءة والندى | في قبة ضربت على ابن الحشرج |