ويجوز أن يراد: مثل إهلاك ما ينفقون مثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح، وهو الحرث. وقرئ: (تنفقون)، بالتاء. (وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ): الضمير للمنفقين على معنى: وما ظلمهم اللَّه بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يراد) أي: يكون من التشبيه المركب العقلي الذي يؤخذ فيه الزبدة والخلاصة من المجموع، وهو المراد بقوله: "مثل إهلاك ما ينفقون" إلى آخره، والوجه: قلة الجدوى والضياع، ويجوز أيضاً أن يكون من التشبيه المفرق الذي يتكلف لكل واحدٍ واحدٍ من المشبه به شيء يقدر شبهه في المشبه، فشبه إهلاك الله بإهلاك الربح، وما ينفقون بالحرث، وما في غضب الله من جعل أعمال المرائين هباء منثوراً كما في الريح الباردة من حس الزرع وجعله حطاماً، وعليه الوجه الأخير.
الانتصاف: وفي لفظ السؤال سوء أدب، وهو أن الكلام غير مطابق للغرض، والواجب أن يقال: ما وجه مطابقته؟ ولو أورد هذا اللفظ على إمام معتبر بحضرته لتلطف في إيراده، مع أنه قد يكون ذلك الاعتراض محققاً لا جواب عنه، فلم لا يتأدب مع عالم السر وأخفى في كلامه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! ثم يرد عليه جوابه الثاني بأن السؤال باق على تقدير إهلاك ما ينفقون، إذ لا يشبه المصدر بالاسم الذي هو الربح المهلكة، وتقديرهـ والله أعلمـ: مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم أصابتهم ريح فيها صر فأهلكته، لكن خولف ذلك لفائدة جليلة، وهو تقديم الأهم وهي الريح التي هي مثل العذاب، تهديداً واعتماداً على الأفهام الصحيحة.
وقلت: أما مؤاخذته عليه في اللفظ المؤذن بسوء الأدب فليس بذاك؛ لأن مراده من سؤاله أن كلام الله غير مطابق للغرض الذي ذكرته، وهو قولك: "شبه ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم بزرع حسه البرد"، فالإنكار متوجه إلى نفسه، وأما قوله: إذ لا يشبه المصدر


الصفحة التالية
Icon