قاله الزمخشري (١).
ومِن في قوله: ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ مزيدة لتوكيد النفي، وليست كالتي في قولك: ما جاءني من رجل؛ لأنَّ من ها هنا أفادت معنى الاستغراق، فهي مزيدة لفظًا لا معنى، وفي قولك: ما جاءني من أحد أفادت معنى التوكيد ليس إلَّا، والمعنى: ما عملها قبلكم أحد.
و﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: في موضع الصفة لأحد. والجملة في محلّ النصب على الحال إمّا من ﴿الْفَاحِشَةَ﴾، أو من الضمير في قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾، وقد جوز أن تكون مستأنفة؛ على أنَّه أنكر عليهم أولًا بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، ثمَّ وبخهم عليها فقال: أنتم أول من عملها، أو على أنَّه جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا له: لم لا تأتيها؟ فقال: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ﴾، فلا تفعلوا شيئًا لم يفعله أحد (٢).
﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾:
قوله - عز وجل -: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ (٣) بيان وتفسير للفاحشة، كما أن قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤) بيان وتفسير للوصية، والهمزة مثلها في ﴿أَتَأْتُونَ﴾ (٥) للإِنكار والتوبيخ.
وقرئ: (إنكم) (٦) على الخبر؛ لأنَّ الاستفهام في الجملة الأولى وهي
(١) الكشاف ٢/ ٧٣.
(٢) اقتصر الزمخشري ٢/ ٧٣ على هذا الوجه الثاني، ولم يذكر العكبري ١/ ٥٨١ إلا الأوّل.
(٣) قرأ أكثر العشرة بهمزتين على تفصيل.
(٤) سورة النساء، الآية: ١١.
(٥) من الآية السابقة.
(٦) قرأها المدنيان، وحفص عن عاصم، بهمزة واحدة مكسورة. انظر فيها وفي القراءة التي قبلها: السبعة ٢٨٥ - ٢٨٦. والحجة ٤/ ٤٢ - ٤٤. والمبسوط / ٢١٠/. والكشف ١/ ٤٦٨.