أيكم سمع رسول الله - ﷺ - يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تَعْنون فتنةَ الرجل في أهله وماله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تِلك تُكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع رسول الله - ﷺ - يذكر التي تمُوج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسْكَتَ القومُ، فقلتُ: أنا. قال: أنت لله أبوك؟ قال حذيفة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: تُعرض الفِتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأي قلب أُشْرِبَها (١) نُكت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نُكِتَ فيه نكتةٌ بيضاء، حتى يصيرَ على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضرّه فتنة ما دامت السماوات والأرضُ، والآخر أسودُ مُرْبادًا (٢) كالكوز مُجَخِّيًا (٣)، لا يعرف معروفًا ولا يُنكر مُنكرًا، إلا ما أُشرِبَ من هواه] (٤).
٢ - تشبيه القلوب بالأوعية والظروف والغلف.
قال ابن جرير: (فإن قلوب العباد أوعية لما أُودعت من العلوم، وظروفٌ لما جُعل فيها من المعارف بالأمور. فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع - التي بها تُدرَك المسموعات، ومن قِبَلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء من المُغَيَّبات - نظيرُ معنى الختم على سائر الأوعية والظروف).
٣ - قوله ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح.
قال القرطبي: (والقلب للإنسان وغيرِه. وخالص كل شيء وأشرفه قلبه، فالقلب موضع الفكر. وهو في الأصل مصدر قَلبْتُ الشيء أقلِبه قلبا إذا رددته على بداءته. وقلبت الإناء: رددته على وجهه. ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان، لسرعة الخواطر إليه، ولترددها عليه، كما قيل:
ما سُمِّيَ القلب إلا من تقلُّبِه | فاحذر على القلب من قَلْبٍ وتحويل |
(٢) شدة البياض في سواد، أي الذي اختلط سواده بكدرة.
(٣) مُجَخِّيًا: أي منكوسًا مائلًا.
(٤) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠)، ورواه البخاري في الصحيح (٦٤٩٧).