وقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾.
فيه تأويلان:
التأويل الأول: إني فاعل. قال قتادة: (قال الله تعالى ذكره لملائكته: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، قال لهم: إني فاعل).
التأويل الثاني: إني خالق. قال أبو روق: (كل شيء في القرآن ﴿جعل﴾ فهو خلق).
والأول أقرب للسياق، وبه أخذ شيخ المفسرين ابن جرير رحمه الله، حيث قال: (والصواب في تأويل قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي مستخلف في الأرض خليفة، ومُصَيِّرٌ فيها خلفًا).
وقيل ﴿الْأَرْضِ﴾ هي مكة، ولا دليل على هذا التخصيص. وأما (الخليفة) فهو من خلف فلان فلانًا في الأمر إذا قام مقامه فيه بعده، فالمقصود قوم يخلف بعضهم بعضًا. وفي التنزيل تأكيد ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤].
٢ - قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢].
٣ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠].
٤ - قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
٥ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
قال الحافظ ابن كثير: (﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل).
وقال ابن جرير في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: (يعني بذلك أنه أبدلكم في الأرض منهم، فجعلكم خلفاء بعدهم. من ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة، لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفًا).
فهذا معنى قوله جل ذكره: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.