واختار ابن جرير أن المراد أسماء الملائكة وأسماء الذرية لأن قوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ يخص من يعقل، بينما ردّ عليه الحافظ ابن كثير بأن ذلك غير لازم، فقد يعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥].
قال ابن كثير: (والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها: ذواتها وصفاتها وأفعالها، كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفُسَيّة. يعني: أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر).
ولا شك أن الآية عامة في كل ما احتاج آدم معرفته لمواجهة هذه الحياة الدنيا في المستقبل، وقد دلت السنة الصحيحة على ذلك.
ففي صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: [يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدمَ فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لَسْتُ هُنَاكُمْ. ويذكر ذنبه فيستحي، ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هُنَاكُمْ، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي. فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكُم، فيقول: ائتوا موسى عَبْدًا كَلَّمه الله، وأعطاه التوراة، فيأتونه فيقول: لست هُنَاكم. ويذكر قَتْل النفس بغير نفس، فيستحي من ربه، فيقول: ائتوا عيسى عَبْدَ الله ورسولَه وكَلِمَةَ الله وروحَه، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكم، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَرَ الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستاذن على ربي، فيأذن لي، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاءَ ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يُسْمَع، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمد بتحميد يُعَلِّمُنِيه، ثم أشفع فيَحُدُّ لي حدًّا فأدْخِلُهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي مثْلَه، ثم أشفع فَيَحُدّ لي حدًا فأُدْخِلهم الجنة، ثم أعود الثالثة ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا مَنْ حَبسه القرآن ووجب عليه الخلود] (١).
وصحيح مسلم (١٩٣)، ومسند أحمد (٣/ ٢٤٤).