له والشغل به. هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم! جعلنا الله منهم وفيهم، إنه ذو فضل عظيم) (١).
قلت: وأما ما خاض به بعض الناس من أن الآية تدل على أن آدم أفضل من الملائكة وكذلك الأنبياء والرسل والعلماء، أو أن الملائكة أفضل منهم، فلا دليل على أي من المذهبين، بل ليست هذه القضية معروضة للبحث فعل مها متروك إلى الله سبحانه، وإنما الآية كما أسلفنا تدل على شرف العلم وفضل أهله.
٣٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.
في هذه الآية: يمتن الله سبحانه مرة أخرى على ذرية آدم بذكر كرامة عظيمة اختص بها أباهم آدم عليه السلام، إذ أمر ملائكته الكرام بالسجود له، فامتثلوا الأمر الكريم، إلا إبليس اللعين، اعترته الحمية، وغلبت عليه الشقوة، فأبى السجود وكان من المستكبرين.
فقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ - أي سجود تكريم وتقدير.
ففي الصحيحين والمسند وأكثر السنن عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - ﷺ - قال: [احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهمْ! ] الحديث (٢).
وفي لفظ: [قال موسى: ربِّ أرني آدم الذي أخرجنا ونفسَه من الجنة، فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته].
وأما إبليس فأبى السجود كبرًا وتعززًا، فسخط الله عليه وأنزل به لعنته إلى يوم الدين، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]
قال الحافظ ابن كثير: (والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم، دخل
(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٣٤٠٩)، (٦٦١٤)، (٧٥١٥)، وانظر صحيح مسلم (٢٦٥٢) ح (١٣)، (١٤)، (١٥)، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى صلى الله عليهما وسلم. ورواه أحمد. انظر صحيح الجامع الصغير، حديث رقم (١٨٢).