موسى عنهم إلى الطور لمناجاة ربه عز وجل. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ.... ﴾ [الأعراف: ١٤٨].
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.
أي: في اتخاذ العجل تعبدونه دون الله وحده لا شريك له، وقد ظهرت لكم الآياتِ الواضحات التي تدلكم على وجوب تنزيهه سبحانه وإفراده بالتعظيم والعبادة.
قال القرطبي: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ توبيخ، و ﴿ثُمَّ﴾ أبلغ من الواو في التقريع، أي بعد النظر في الآياتِ والإتيان بها اتخذتم. وهذا يدلّ على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآياتِ، وذلك أعظم لجرمهم).
وفي التنزيل: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩].
٩٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾.
في هذه الآية: يخاطب الله سبحانه يهود بني إسرائيل ويعدّد عليهم مخالفاتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم عنه، حتى رفع سبحانه الطور عليهم فقبلوا ذلك ثم عتوا وتمردوا كما مضى ذكره. و ﴿قَالوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ استكبارًا منهم وسوء اتباع. ثم ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أي: أشربوا حبّه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم.
فعن قتادة: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ قال: (أشربوا حُبَّه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم). وقال أبو العالية: (أشربوا حُبَّ العجل بكفرهم).
فقال سبحانه: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل: بئس الأمر يأمركم به إيمانكم، من قتل الأنبياء والتكذيب بالكتب وكفركم بمحمد - ﷺ - خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تجدونه في التوراة وتجحدون أمره وتشوهون معالمه وصفاته بالتغطية والكذب والافتراء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: تهكّم بهم وتوبيخ لشأنهم، فالتوراة لا تأمر بهذا المنهج الفاسد الذي ارتضوه صفة لهم على مر الزمان.


الصفحة التالية
Icon