أخرج الإمام أحمد فيِ المسند عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: [سألت رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرفون؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات] (١).
فهذه صفات المؤمنين كما وصفهم بذلك ربهم عز وجل، وإمامهم بذلك الأنبياء والرسل من قبل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فهذا إبراهيم وإسماعيل يرفعان أعمدة البيت ويؤسسان قواعده ويسألان الله سبحانه الرضى والقبول.
أخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير: قال ابن عباس: [أوَّلَ ما اتَّخَذَ النساءُ المِنْطَقَ من قِبَلِ أُمِّ إسماعيل، اتخَذَتْ مِنْطقًا لِتُعَفِّيَ أثَرَها على سارَة، ثم جاء بها إبراهيمُ وبابنِها إسماعيلَ وهيَ تُرضِعُهُ حتى وضعَهُما عند البيت عِندَ دَوحَةٍ فوق الزمزَمِ في أعلى المسجد وليس بمكةَ يومئذ أحَدٌ، وليس بها ماءٌ فَوَضَعَهُما هُنالك، ووضَعَ عنْدَهُما جِرابًا فيه تَمْرٌ وسِقاءً فيه ماءٌ ثمَّ قَفَّى إبراهيم مُنطَلِقًا، فتَبِعَتْهُ أمُّ إسماعيلَ فقالت: يا إبراهيمُ، أين تذهَبُ وتترُكُنا في هذا الوادي الذي ليسَ فيه أنيسٌ ولا شيءٌ؟ فقالت له ذلك مِرارًا، وجعل لا يَلْتَفِتُ إليها فقالت له: آللهُ أمركَ بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يُضَيّعُنا، ثم رَجَعَتْ، فانطلق إبراهيمُ حتى إذا كان عند الثَّنِيةِ حيثُ لا يرَوْنَهُ استقبل بوجهِه البيتَ ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ] حتى بلغ: {يَشْكُرُونَ﴾.
وجعلت أمُّ إسماعيلَ تُرْضِعُ إسماعيلَ وتَشرَبُ من ذلك الماء حتى إذا نفِدَ ما في السِّقَاء عطِشَتْ وِعَطِشَ ابنُها فجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلَبط- فانطلقت كراهية أن تَنْظُرَ إليه، فوَجدَتِ الصفا أقربَ جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تَنْظُرُ هل ترى أحدًا فلم ترَ أحدًا، فهَبَطَتْ من الصَّفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرَفَ دِرْعِها ثم سَعَتْ سَعْيَ الإنسانِ المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا فلم تَرَ أحدًا، ففعلت ذلك سَبْعَ مرّات. قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: "فذلك سَعْيُ الناس بينهما"، فلما أشرفت على المَرْوَةِ سَمِعَتْ صوتًا فقال: صَهٍ، تريدُ نَفْسَها، ثم تَسَمعَتْ فَسَمِعَتْ أيضًا، فقالت: قد أسمعت إنْ كان عِندكَ غُواثٌ، فإذا هِيَ بالمَلَكِ عندَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقبهِ -أو قال: بجناحِه-