قريش بتجديد بناء الكعبة حيث لم يكن لها سقف يغطيها، فاعتدى عليها نفر من اللصوص فسرقوا كنزها الذي كان في جوفها، كما كان قد جرف مكة سيل عرم قبل البعثة بخمس سنين، انحدر إلى البيت الحرام، أوشكت معه الكعبة على الانهيار، فرأت قريش تجديد بنائها، وتحديث إنشائها، واتفقوا ألا يُدخلوا في بنائها إلا طيبًا، فلا يدخلوا فيها مهرَ بغي، ولا بيعَ ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها.
قال ابن إسحاق: (فلما بلغ رسول الله - ﷺ - خمسًا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يَهُمُّون بذلك ليَسْقُفوها، ويهابون هَدمَها، وإنما كانت رَضْمًا (١) فوق القامة، فأرادوا رَفْعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سَرَقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جَوْف الكعبة، وكان الذي وُجِدَ عنده الكنز دُوَيكَ -مولى بني مُليح بن عمرو من خزاعة- فقطعت قريش يده. ويزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دُوَيك).
أخرج الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، من حديث أبي الطفيل رضي الله عنه قال: [كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم، وكانت قدر ما يفتحها العناقة، وكانت غير مسقوفة، إنما توضع ثيابها عليها ثم تسدل سدلًا عليها، وكان الركن الأسود موضوعًا على سورها تأدبًا، وكانت ذات ركنين كهيأة الحلقة.
فأقبلت سفينة من أرض الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جُدَّة، تكسرت السفينة، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فوجدوا روميًا عندها، فأخذوا الخشب أعطاهم إياه.
وكانت السفينة تريد الحبشة، وكان الرومي الذي في السفينة نجارًا، فقدموا، وقدموا بالرومي، فقالت قريش: نبني بهذا الخشب الذي في السفينة بيت ربنا.
فلما أرادوا هدمه، إذا هم بحية على سور البيت مثل قطعة الحائر، سوداء الظهر، بيضاء البطن، فجعلت كلما دنا أحد إلى البيت ليهدمه أو يأخذ من حجارته، سعت إليه فاتحة فاها.
فاجتمعت قريش عند المقام، فَعَجُّوا إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- فقالوا: رَبَّنا لم ترع، أردنا تشريف بيتك، فإن كنت ترضى بذلك، وإلا فافعل ما بدا لك. فسمعوا خوارًا في

(١) أي حجارة فوق بعضها دون ملاط يلحم بعضها على بعض.


الصفحة التالية
Icon