وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
يعني: صلاتكم إلى القبلة السابقة -بيت المقدس-.
قال ابن عباس: (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم واتباعه إلى القبلة الأخرى). أي ليُعْطِيَنَّكم أجرهما جميعًا.
وقال الحسن: (أي: ما كان الله ليضيع محمدًا - ﷺ - وانصرافكم معه حيث انصرف).
خرّج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [لما وُجّه النبي - ﷺ - إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يُصَلّون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية] (١).
قال القرطبي: (فسمّى الصلاة إيمانًا لاشتمالها على نيّة وقول وعمل. وقال مالك: إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾.
قال أبو عمرو بن العلاء: (الرأفة أكثر من الرحمة). وقال ابن جرير: (﴿الرأفة﴾ أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة. وأما ﴿الرحيم﴾: فإنّه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة).
أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قدم على النبي - ﷺ - سَبْي، فإذا امرأة من السَّبيَّ تَحْلُبُ ثَدْيَها تَسْقي، إذا وَجَدَتْ صبيًّا في السبي أخَذَتْهُ، فألصَقَتْهُ ببطنها وأرضَعَتْهُ، فقال لنا النبي - ﷺ -: أتُرَون هذه طارِحةً ولدَها في النار؟ قلنا: لا، وهي تَقْدِرُ على أن لا تَطْرَحَهُ، فقال: للهُ أَرْحَمُ بعباده من هذه بولدها] (٢).
أخرج الحافظ العراقي في "المجلس من الأمالي" عن أنس بن مالك مرفوعًا: [والذي نفسي بيده، لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافّة] (٣).
(٢) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٥٩٩٩). كتاب الأدب. باب رحمة الولد وتقبيله ومُعَانقته.
(٣) حديث صحيح. وله شاهد أخرجه ابن المبارك في الزهد. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٧).