الماء لو كان غير إله الهواء، لمنع من التصرف في ملكه. وعلى الرحمتين: فلأنه أحيا به الأرض معاشًا للحيوانات، وبثّ به الدواب تكميلًا لمنافع الإنسان. وأما دلالة تصريف الرياح على وجوه الإله، فلأنها حادثة تحدث هذه مرَّة وهذه أخرى، وقد يعدم الكلّ، فلا بد من محدث، فإن كان حادثًا افتقر إلى قديم. وعلى التوحيد: فلأنه لو كان لكل ريح إله لأمكن للكل أن يأتي بما له، فيلزم اجتماع الرياح المختلفة وهو مخلّ بالنظام. وعلى الرحمتين: فلأنها تحرك الفلك والسحب وتنمي الأشجار والثمار. وأما دلالة السحاب على وجود الإله، فلأنه لو كان ثقيلًا لنزل، أو كان خفيفًا لصعد، لكنه يصعد تارة وينزل أخرى فهو من الله تعالى، وأما على التوحيد فلأن إله السحاب لو كان غير إله السحاب الآخر، لأمكن لكل واحدٍ أن يجعل سحابه في مكان سحاب الآخر، فيلزم تداخل الأجسام أو العجز. وعلى الرحمتين فلأنّ منها الأمطار.. ) ذكره القاسمي.
قلت: ولا شك أن الآياتِ الدالة على وحدانيته سبحانه والتي تستلزم إفراده بالعبادة والتعظيم لا حصر لها، وإنما خصَّ تعالى هذه الثمانية بالذكر لأنَّها جامعة بين كونها دلائل وبين كونها نعمًا على العباد تلتصق بحياتهم ولا تنفك عنها.
١٦٥ - ١٦٧. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾.
في هذه الآياتِ: يخبر تعالى عن حال من أشرك به في الدنيا، فجعلوا له أشباهًا وأمثالًا يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه.
والنِّد: العدل. وفي الأنداد أكثر من تأويل:
التأويل الأول: هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.
قال مجاهد: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: مباهاةً ومضاهاةً للحق بالأنداد، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، من الكفار لأوثانهم). وقال الربيع: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ


الصفحة التالية
Icon