القصّ القطع، يقال: قصصت ما بينهما. ومنه أخذ القِصاص، لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به).
أخرج البخاري والنسائي والدَّارقطني عن ابن عباس قال: [كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفْوُ أن يقبل الدية في العمد، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كتب على من كان قبلكم، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قتل بعد قبول الدية] (١).
وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾.
يعني: العدل في القصاص دون تجاوز أو اعتداء. فقد كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا قتل النضريُّ القرظي لا يُقْتل به، بل يفادى بمئة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضريَّ قُتل به، وإن فادَوْه فَدَوْه بمئتي وسق من التمر ضعف دية القُرَظي، فأمر الله بالعدل في القصاص.
وعن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾: (يعني إذا كان عمدًا، الحر بالحر. وذلك أن حَيّين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعفهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحرّ منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، فنزل فيهم: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ منها منسوخة، نسختها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] (٢).
وعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، فأنزل الله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد رجالهم
(٢) رواه ابن أبي حاتم، وأورده الحافظ ابن كثير في التفسير.