وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس -لما سأل هرقل أبا سفيان: فهل قاتلتموه- قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سِجَالٌ يَنالُ منا وننالُ منه. وفي رواية: يدال علينا ونُدال عليه. قال: [كذلك الرسل تُبْتلَى، ثم تكون لها العاقبة] (١).
وقوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾
أي: بلغ الجهد بهم حتى استبطؤوا النصر وهم واثقون به، فلم يقولوا: أين نصر الله، لإيمانهم أن النصر وعده الله المؤمنين. ولذلك أجابهم سبحانه بهذا المعنى فقال: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ فكلما كانت الشدة اقترب النصر والفرج. وفي التنزيل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾.
أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: [النصر مع الصبر، والفرجُ مع الكرب، وإنّ مع العسر يسرا] (٢).
٢١٥. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾.
في هذه الآية: تعريف الله عباده مواضع الفضل التي تُصرف فيها النفقات، وأن كل عمل في طاعته فهو سبحانه به عليم.
قال السدي: (يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما هي النفقة ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها، فنسختها الزكاة). وهذا ممكن، وممكن غيره.
قال ابن جرير: (ولا دلالة في الآية على صحة ما قال -يعني السدي بادعاء النسخ-، لأنه ممكن أن يكون قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية، حثًا من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غيرَ واجبة من الآباء والأمهات والأقرباء ومن سمى معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عبادَه مواضع الفضل التي تُصرف فيها النفقات).
(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (١/ ٣٠٧)، ومستدرك الحاكم (٣/ ٥٤١)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٦٦٨٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.