عباس: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: يقول فيما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها).
قال ابن جرير: (وأما منافع الميسر، فما يصيبون فيه من أنصباء الجزور. وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلج الرجل منهم صاحبه نحره، ثم اقتسموا أعشارًا على عدد القداح).
وقوله: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.
قال الضحاك: (يقول: إثمهما بعد التحريم، أكبر من نفعهما قبل التحريم). وقال ابن كثير: (أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فَدُنيوية، من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذّة الشدة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:

ونَشْرَبُها فتتركُنا ملوكًا وأسْدًا لا يُنَهْنِهُنَا اللقاءُ
وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وكان يُقَمِّشُه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله. ولكن هذه المصالح لا توازي مضرّته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.
وهذه الآية مهّدت لتحريم الخمر، حتى نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم جاء التحريم القطعي بنزول آية المائدة.
قال مجاهد: (إن هذه أول آية نزلت في الخمر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ثم نزلت التي في سورة النساء، ثم نزلت الآية التي في المائدة فحرمت الخمر).
أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: [لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانا شِفاء، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية، قال: فدُعِيَ عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّنْ لنا في الخمر بيانا شفاء، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى... (٤٣)﴾، فكان منادي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقْرَبَنَّ الصلاة سَكْرانُ. فَدُعي عمر فقرئت عليه، فقال:


الصفحة التالية
Icon