فلما علم الله ذلك منه جعل الطلاق ثلاثًا: مرتين، ثم بعد المرتين إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان).
فكانت هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر أول الإسلام، من أن الرجل أحق برجعة امرأته، وإن طلقها مئة مرة ما دامت في العدة، فقصر الله الطلاق على ثلاث طلقات دفعًا للضرر عن المرأة، فأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال جل ذكره: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
أخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾... الآية: وذلك أن الرجل كان إذا طلّق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.. الآية] (١).
وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال ابن عباس: (إذا طلّق الرجل امرأته تطليقتين، فليتّق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يُسَرِّحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئًا).
والمقصود أن الزوج مخيّر فيها إذا طلقها واحدة أو اثنتين، ما دامت عِدّتها باقية، إما يردّها لنفسه يريد الإصلاح أو يتركها حتى تنقضي عدتها، فتبيق منه فيطلق سراحها محسنًا إليها.
وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾.
قال ابن كثير: (أي: لا يحل لكم أن تُضَاجِروهُنَّ وتضيّقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهُنَّ من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ... ﴾ [النساء: ١٩]، فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها، فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا حرج عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾... الآية).

(١) إسناده حسن. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٢١٩٥)، ورجاله ثقات.


الصفحة التالية
Icon