قال الشافعي: (وأخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق). وقال الشافعي: (اختلف أصحابنا في الخُلْع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت بعد منه: يتزوجها إن شاء الله، لأن الله تعالى يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قرأ إلى ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾).
قال ابن كثير: (وروى غير الشافعي، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله فقال: رجل طلّق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: فعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وقرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾). وهو المأثور (١) عن عثمان بن عفان، وابن عمر. وهو قول طاووس، وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل، والشافعي في القديم.
قال ابن القيم رحمه الله: (والذي يدل على أنه ليس بطلاق: أن الله سبحانه وتعالى رتّب على الطلاق بعد الدخول الذي لم يستوف عدده ثلاثة أحكام، كلها منتفية عن الخلع:
أحدها: أن الزوج أحق بالرجعة فيه.
الثاني: أنه محسوب من الثلاث، فلا تحل بعد استيفاء العدد إلا بعد زوج وإصابة.
الثالث: أن العدة فيه ثلاثة قروء.
وقد ثبت بالنص والإجماع أنه لا رجعة في الخلع. وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أن العدة فيه حيضة واحدة. وثبت بالنص جوازه بعد طلقتين، ووقوع ثالثة بعده. وهذا ظاهر جدًّا في كونه ليس بطلاق، فإنه سبحانه قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ... ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وهذا وإن لم يختص بالمطلقة تطليقتين، فإنه يتناولها وغيرها، ولا يجوز أن يعود الضمير إلى من لم يُذكر، ويُخلى منه المذكور، بل إما أن يختص بالسابق أو يتناوله

(١) المقصود أن الخلع فسخ وليس بطلاق. انظر تفسير ابن كثير- سورة البقرة (٢٢٩).


الصفحة التالية
Icon