وقوله: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
أي: أقرب إلى عدم الريبة، وأبعد عن الشك.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾.
قال السدي: (يقول: معكم بالبلد ترونها، فتأخذ وتعطي، فليس على هؤلاء جناح أن لا يكتبوها). أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد، فلا حرج بترك الكتابة لانتفاء المحذور في تركها.
وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
الجمهور حمله على الندب لا على الوجوب.
قال الشعبي: (إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. وقال الضحاك: (ما كان من بيع حاضر فإن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد. وما كان من بيع إلى أجل، فأمر الله أن يكتب ويُشْهد عليه. وذلك في المقام).
قلت: والذي ذهب إليه الضحاك هو الأقرب، ويتوافق مع ما أخرجه الحاكم عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دَفَعَ مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلًا مالًا فلم يشهد] (١).
ومع ما أخرجه الإمام أحمد بسند جيد عن عُمارة بن خزيمة الأنصاري، أنّ عمَّه حدّثه - وهو من أصحاب النبي - ﷺ -: [أن النبي - ﷺ - ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي - ﷺ - ليقضيَه ثمن فرسه، فأسرع النبي - ﷺ -، وأبطأ الأعرابي، فطفِقَ رجالٌ يَعْتَرِضُون الأعرابي فيساومُونَهُ بالفرس، ولا يشعرون أن النبي - ﷺ - ابتاعه، حتى زاد بعضُهم الأعرابيَّ في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي - ﷺ -، فنادى الأعرابي النبي - ﷺ -، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتَعْه، وإلا بعتُه، فقام النبي - ﷺ - حين سمع نداء الأعرابي، قال: أو ليس قد ابتعتُه منك؟ قال الأعرابي: لا، والله ما بعتك،

(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٣٠٢)، والديلمي (٢/ ٥٨)، وقد مضى برواية أخرى.


الصفحة التالية
Icon