وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
قال ابن جريج: (لما دنا القوم بعضهم من بعض، فقَلّل الله المسلمين في أعين المشركين، وقَلَّلَ المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾).
قال ابن جرير: (وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول الله - ﷺ - وغيرهم، أن يفوِّضوا أمرهم إليه، ويسلموا لقضائه، كيما يكفيهم أعداءهم، ولا يستذلهم من ناوأهم، لأنه ﴿عَزِيزٌ﴾ غير مغلوب، فجاره غير مقهور، ﴿حَكِيمٌ﴾، يقول: هو فيما يدبر من أمر خلقه حكيم، لا يدخل تدبيره خلل).
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: [حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم - ﷺ - حين ألقي في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل] (١).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: [اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنَبْتُ وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تُضِلَّني، أنت الحيُّ الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون] (٢).
٥٠ - ٥٩. قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى

(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ١٧٢). وفي رواية له عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان آخر قول إبراهيم - ﷺ - حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل".
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ٨٠) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٦٦) - كتاب الدعاء -.


الصفحة التالية
Icon