وقادتهم.. قال: فَهَوِيَ رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء.
فلما كان الغد، قال عمر: فغدوت إلى النبي - ﷺ - وأبي بكر وهما يبكيان! فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله - ﷺ -: [للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء! ! قد عُرضَ عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾] (١).
قال سعيد بن جبير: (إذا أسرتموهم فلا تفادوهم حتى تثخنوا فيهم القتل).
وقال مجاهد: (الإثخان: القتل).
وقال ابن إسحاق: (أي يثخن عدوه حتى ينفيهم من الأرض، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ أي المتاع والفداء بأخذ الرجال. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ بقتلهم، لظهور الدين الذي يريدون إطفاءه، الذي به تدرك الآخرة).
قال ابن جرير: (﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾، يقول: إن أنتم أردتم الآخرة، لم يغلبكم عدوٌّ لكم، لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب، وأنه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره أمر خلقه).
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فيه سببان صحيحان من أسباب النزول:
السبب الأول: أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن خيثمة قال: [كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في نفر فذكروا عليًا فشتموه فقال سعد: مهلًا عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، فإنا أصبنا ذنبًا مع رسول الله - ﷺ - فأنزل الله عز وجل: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. فأرجو أن تكون رحمة من عند الله سبقت لنا] (٢).
السبب الثاني: أخرج الإمام أحمد والطيالسي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها. فقال رسول الله - ﷺ -: إن الغنيمة
(٢) حديث صحيح. أخرجه الحاكم وقال على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. انظر: "الصحيح المسند من أسباب النزول" - الوادعي - سورة الأنفال، آية رقم (٦٨)، وإسناده صحيح.