والخلاصة: قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أصل في وجوب الانقياد لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في أقواله وأفعاله، وعدم الخروج على منهاجه برأي أو تأويل أو شبهة.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: وخافوا اللَّه أيها المؤمنون أن تتجاوزوا حدودكم وتتقدموا على قول نبيكم وسنته ونهجه، فإن اللَّه سميع لأقوالكم عليم بأعمالكم وبكل شيء.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية. أدب رفيع آخر أدَّبَ اللَّه تعالى به المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم فوق صوت نبيهم -صلى اللَّه عليه وسلم- في حضرته.
أخرج البخاري والترمذي عن نافع بن عمر، عن أبي مُلَيْكَةَ قال: [كادَ الخَيِّران أن يَهْلِكا، أبو بكر وعمر -رضي اللَّه عنهما- رَفَعا أصواتَهُما عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين قَدِمَ عليه ركبُ بِني تميم، فأشار أحدُهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخرُ برجُل اخَر -قال نافع: لا أحفظ اسمه- فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلا خِلافي. قال: ما أردتُ خِلافَكَ. فارتفعت أصواتُهما في ذلك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الآية. فما كان عمرُ يُسمِعُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد هذه الآية حتى يستفهِمَه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر رضي اللَّه عنه] (١).
وفي صحيح البخاري عن موسى بن أنس عن أنس بن مالك: [أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- افتقد ثابتَ بن قيس فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه، أنا أعلمُ لك عِلْمَهُ. فأتاه فوجده في بيته مُنَكِّسًا رأسَهُ، فقال له: ما شأنُكَ؟ فقال: شَرٌّ، كان يَرْفَعُ صَوْتَهُ فوقَ صوتِ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقد حَبِطَ عَمَلُهُ، فهو من أهل النار، فأتى الرجلُ النبيَ -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبره أنه قال كذا وكذا -قال موسى: فرجَعَ إليه المَرَّة الآخِرَةَ ببشارةِ عظيمة فقال: اذهب إليه فقُل له: إنك لستَ من أهل النار، ولكنَّكَ من أهل الجنة] (٢).
ورواه أحمد على شرط الشيخين عن ثابت، عن أنس قال: [لما نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ - وكان ثابت بن قيس بن الشمَّاسِ رفيعَ الصوتِ فقال: أنا الذي كنتُ أرفَعُ صوتي على

(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٤٥)، والترمذي (٣٢٦٦)، والنسائي (٨/ ٢٢٦) عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير. وقوله "ولم يذكر ذلك عن أبيه" المراد جده لأمه أسماء.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٨٤٦) - كتاب التفسير، وانظر كذلك (٣٦١٣).


الصفحة التالية
Icon