وقد قُلتُما إِنْ نُدركِ السِّلْمَ واسِعًا بِمالٍ ومَعروفٍ من الأَمرِ نَسْلَمِ (١)». (٢)
ثم اختار الطبريُّ قراءةَ كسرِ السينِ فقال: «وأَمَّا الذي هو أولى القراءتين بالصواب في قراءة ذلك، فقراءةُ مَنْ قرأَ بكسرِ السين؛ لأنَّ ذلك إذا قُرئَ كذلك وإن كان قد يَحتملُ معنى الصُّلحِ، فإِنَّ معنى الإسلامِ، ودوامِ الأمر الصالحِ عند العرب أغلبُ عليه من الصُّلْحِ والمُسالمةِ، ويُنشَدُ بيتُ أخي كندة (٣):
دَعَوتُ عَشيرتي للسِّلْمِ لَمَّا رأَيتُهُمُ تولّوا مُدبرينا (٤)
بكسرِ السين، بِمعنى: دعوتُهُم للإسلام لَمَّا ارتدوا، وكان ذلك حين ارتدت كندةُ مع الأشعث بعد وفاة رسول الله - ﷺ -»
. (٥)
فقد أورد الطبري شاهدًا لِمَن قرأَ بالكسرِ، وأَنَّهُ يكون بِمعنى الصُّلْحِ، غير أَنَّهُ اختار تفسيره بِمَعنى الإسلام، لأَنَّه أولى بِمَقصدِ القرآن، واستشهد لاختيارهِ بشاهدٍ من الشعر لشاعرٍ مُسلمٍ يذكر دعوته لقومه إلى الثبات على الإسلام حين ارتد الناس بعد وفاة النبي - ﷺ -.
والطبري لحظ التطور الدلالي للفظة «السِّلْم»، وما طرأ عليها فيما بين عصر زهير بن أبي سلمى وعصر امرئ القيس بن عابس في الإسلام، واختار حَمْلَ لفظةِ القُرآنِ على ما وردت به في شعر من أدرك الإسلام. وقد بين الطبري وجًا آخر لاختياره فقال: «وإِنَّما اخترنا ما اخترنا من التأويل في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] وصرفنا معناه إلى الإسلام؛ لأَنَّ الآيةَ مُخاطَبٌ بِها المؤمنون». (٦)
_________
(١) انظر: ديوانه ١٦.
(٢) تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٢٥٣.
(٣) هو امرئ القيس بن عابس بن المنذر الكندي، جاهلي أدرك الإسلام وأسلم وثبت وقت الردة كما في هذه القصيدة. انظر: المؤتلف والمختلف للآمدي ٩.
(٤) انظر: المؤتلف والمختلف ٩، معالم السنن للخطابي ٢/ ٣.
(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٢٥٣.
(٦) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٢٥٤.


الصفحة التالية
Icon