٨ ومنها: أن نشكر الله على هذه النعمة. وهي أنه تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعاً؛ لأن الله لم يبينها لنا لمجرد الخبر؛ ولكن لنعرف نعمته بذلك، فنشكره عليها.
٩ ومنها: أن نخشى، ونخاف؛ لأن الله تعالى بكل شيء عليم؛ فإذا كان الله عليماً بكل شيء. حتى ما نخفي في صدورنا. أوجب لنا ذلك أن نحترس مما يغضب الله عزّ وجلّ سواء في أفعالنا، أو في أقوالنا، أو في ضمائر قلوبنا.
القرآن
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
التفسير:
واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك، حين قال ربك للملائكة، أني جاعل في الأرض قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل، فقالت الملائلكة: يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك ونقدسك، فقال الله: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، "أي اذكر يا محمد حين قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك" (١).
قال ابن عثيمين: " و"الملائكة" جمع "مَلْئَك"، وأصله "مألك"؛ لأنه مشتق من الأَلُوكة. وهي الرسالة؛ لكن صار فيها إعلال بالنقل. أي نقل حرف مكان حرف آخر؛ مثل أشياء أصلها: "شيئاء"؛ و "الملائكة" عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، وجعل لهم وظائف، وأعمالاً مختلفة؛ فمنهم الموكل بالوحي كجبريل؛ وبالقطر، والنبات كميكائيل؛ وبالنفخ في الصور كإسرافيل؛ وبأرواح بني أدم كملَك الموت.. إلى غير ذلك من الوظائف، والأعمال" (٢).
وقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ﴾، وجهين (٣):
أحدهما: أنه صلة زائدة، وتقدير الكلام: وقال ربك للملائكة، وهذا قول أبي عبيدة (٤)، واستشهد بقول الأسود بن يعفر (٥):
| فَإِذَا وَذلِكَ لا مَهَاةَ لذِكْرِهِ | وَالدَّهْرُ يَعْقُبُ صَالِحاً بِفَسَادِ |
(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١١٢.
(٣) أنظر: تفسير الطبري: ١/ ٤٣٩ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٩٣.
(٤) أنظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٠٨.
(٥) المفضليات، القصيدة رقم: ٤٤، وليس البيت في رواية ابن الأنباري شارح المفضليات. وقوله " لامهاه "، يقال: ليس لعيشنا مهه (بفتحتين) ومهاه: أي ليس له حسن أو نضارة. وقد زعموا أن الواو في قوله " فإذا وذلك.. " زائدة مقحمة، كأنه قال: فإذا ذلك... ، وقد قال الطبري في تفسير قوله تعالى: " حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين " ج ٢٤ ص ٢٤: " واختلف أهل العربية في موضع جواب " إذا " التي في قوله: (حتى إذا جاءوها)، فقال بعض نحويي البصرة، يقال إن قوله: (وقال لهم خزنتها) في معنى: قال لهم. كأنه يلغى الواو. وقد جاء في الشعر شيء يشبه أن تكون الواو زائدة، كما قال الشاعر: فَإِذَا وَذَلِكَ يَا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ... إِلا تَوَهُّمَ حَالِمٍ بِخَيَالِ فيشبه أن يكون يريد: فإذا ذلك لم يكن ". وقال أبو سعيد السكري في شرح أشعار الهذليين ٢: ١٠٠، في شرح بيت أبي كبير الهذلي:
| فَإِذَا وَذَلِكَ لَيْسَ إِلا حِينَهُ | وَإِذَا مَضَى شَيْءٌ كَأَنْ لَمْ يُفْعَلِ |
(٦) ديوان الهذليين ٢/ ٤٢، وفي تفسير الطبري: ١/ ٤٣٩، ١٤/ ٨، ١٨/ ١٣، ٢٤/ ٢٥ (طبعة بولاق) والخزانة ٣/ ١٧٠ - ١٧٤، وأمالى ابن الشجري ١/ ٣٥٨، ٢/ ٢٨٩، وكثير غيرها. وسلك الرجل الطريق، وسلكه غيره فيه، وأسلكه الطريق: أدخله فيه أو اضطره إليه. وقتائدة: جبل بين المنصرف والروحاء، أي في الطريق بين مكة والمدينة. وشل السائق الإبل: طردها أمامه طردًا. ومر فلان يشل العدو بالسيف: يطردهم طردًا يفرون أمامه. والجمالة: أصحاب الجمال. وشرد البعير فهو شارد وشرود: نفر وذهب في الأرض، وجمع شارد شرد (بفتحتين) مثل خادم وخدم. وجمع شرود شرد (بضمتين). ويذكر عبد مناف قومًا أغاروا على عدو لهم، فأزعجوهم عن منازلهم، واضطروهم إلى " قتائدة " يطردونهم بالسيوف والرماح والنبال، كما تطرد الإبل الشوارد. وجواب " إذا " تقديره: شلوهم شلا، فعل محذوف دل عليه المصدر، كما سيأتي في كلام الطبري بعد.