أحدها: قراءة الجمهور بكسر الفاء: ﴿وَيَسْفِكُ﴾.
والثاني: وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: ﴿ويسفُك﴾ بضم الفاء.
والثالث: وقرأ ابن هرمز ﴿ويسفكَ﴾، بالنصب بواو الصرف كأنه قال: من يجمع أن يفسد وأن يسفك، وقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام.
قال ابن عطية: "والأول أحسن" (١).
قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ونحن" ننزهك عما لا يليق بك متلبسين بحمدك" (٢).
قال الطبري: أي" إنا نعظِّمك بالحمد لك والشكر" (٣).
قال ابن عطية: أي: " ننزهك عما لا يليق بك وبصفاتك" (٤).
قال ابن عثيمين: "والذي يُنَزَّه الله عنه شيئان؛ أولاً: النقص؛ والثاني: النقص في كماله؛ وزد ثالثاً إن شئت: مماثلة المخلوقين؛ كل هذا يُنَزَّه الله عنه؛ النقص: مطلقاً؛ يعني أن كل صفة نقص لا يمكن أن يوصف الله بها أبداً. لا وصفاً دائماً، ولا خبراً؛ والنقص في كماله: فلا يمكن أن يكون في كماله نقص؛ قدرته: لا يمكن أن يعتريها عجز؛ قوته: لا يمكن أن يعتريها ضعف؛ علمه: لا يمكن أن يعتريه نسيان.. وهلم جراً؛ ولهذا قال عزّ وجلّ: ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] أي تعب، وإعياء؛ فهو عزّ وجلّ كامل الصفات لا يمكن أن يعتري كماله نقص؛ ومماثلة المخلوقين: هذه إن شئنا أفردناها بالذكر؛ لأن الله تعالى أفردها بالذكر، فقال: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]. وقال تعالى: ﴿وله المثل الأعلى﴾، وقال تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: ٧٤]؛ وإن شئنا جعلناها داخلة في القسم الأول. النقص. لأن تمثيل الخالق بالمخلوق يعني النقص؛ بل المفاضلة بين الكامل والناقص تجعل الكامل ناقصاً، كما قال القائل (٥):
| ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنقصُ قدْرُهُ | إذا قيل إنَّ السيفَ أمضى من العصا |
وقولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ذكر فيه المفسرون وجوها (٧):
أحدها: أنه هو على جهة الاستفهام، كأنهم أرادوا وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الآية، أم نتغير عن هذه الحال.
قال ابن عطية: "وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ﴾؟ " (٨).
والثاني: أن معناه التمدح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسف عليه السلام: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥].
قال ابن عطية: "وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه في قولهم أَتَجْعَلُ وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ " (٩).
والثالث: وقيل أن: معنى الآية: ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك.
قال ابن عطية: "وهذا أيضا حسن مع التعجب والاستعظام في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ﴾ " (١٠).
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٤١.
(٣) تفسير الطبري: ١/ ٤٧٢.
(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.
(٥) البيت في يتيمة الدهر، للثعالبي: ٥/ ٢٩٩. قال الثعالبي: " أبو درهم البندنيجي
أنشدني الشيخ أبو بكر أيده الله تعالى له من نتفةٍ:
| (متى ما أقل مولاي أفضل منهم | أكن للذي فضلته متنقصا) |
| (ألم تر أن السيف يزري به الفتى | إذا قال هذا السيف أمضى من العصا) " |
(٧) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.
(٨) المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.
(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.
(١٠) المحرر الوجيز: ١/ ١١٨.