وزعم [تكُون] بمعنى : ظَنَّ وأخَوَاتِهَا، فيعَدَّى لاثْنَيْنِ في هَذِه الآيةِ، و " أنَّ " سادَّةٌ مَسَدَّ مفْعُوليها، وتكون بمعْنًى " " كَفَل " فتتعدى لِوَاحِدٍ ؛ ومنه :﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف : ٧٢]، وبمعنى رَأس، وكذب وسَمُن، وهَزُلَ، فلا تتعَدَّى، وقرأ الجمهور :﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ مبنياً للمَفْعُول، وقُرِئا مبنيِّيْن للفاعِلِ، وهو الله - تعالى -.
فصل : سبب نزول الآية روي في سبب النُّزُولِ وُجُوه : أحدُها : قال الشَّعْبِي : كان بَيْنَ رَجُلٍ من المُنَافِقِين خُصُومَة، فقال اليَهُودِيّ : نتحاكمُ إلى مُحَمَّد ؛ لأنه عَرَفَ أنَّهُ عَرَفَ أنَّهُ لا يأخُذ الرَّشْوَة، ولا يَمِيلُ في الحُكْمِ، وقال المُنَافِقُ : نتحَاكمُ إلى اليَهُودِِ ؛ لِعِلِمه أنَّهم يأخذُون الرَّشْوَة ويميلُون في الحُكْمِ، فاتَّفَقَا على أن يَأتِيَا كَاهِناً في جُهَيْنَةَ، فَيَتَحَاكَمَا إلَيْه، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية.
قال جابر : كَانَتِ الطَّواغِيتُ التي يَتَحَاكَمُون إليها واحدٌ في جُهَيْنَة، ووَاحِدٌ في أسْلَم، وفي كُلِّ حَيٍّ واحدٌ كَهَّان.
٤٥٣
وروى الكَلْبِي عن أبِي صَالِح عن ابن عبَّاسٍ : نَزَلَتْ في رَجُلٍ من المُنَافِقِين يُقال لَهُ : بشر، كان بَيْنَهُ وبَيْنَ يَهُودِيّ خُصُومَة، فقال اليَهُودِيّ : نَنْطَلِقُ إلى مُحَمَّد، وقال المُنَافِق : بل إلى كَعْبِ بن الأشْرَف، وهُوَ الذي سَمَّاهُ اللهُ طاغُوتاً، فأبَى اليَهُودِيُّ أن يُخَاصِمَه إلاَّ إلى رسُول الله ﷺ، فلما رَأى المُنَافِق ذَلِك، أتَى معه إلى رسُول الله ﷺ، فَقَضَى رسُولُ الله ﷺ لليهُوديِّ، فلما خَرجَا من عِنْدِه، قال المُنَافِقُ : لا أرْضَى [بهذا الحكم] فانْطلقْ بِنَا إلى أبِي بكْرٍ، فحكم لليَهُودِيُّ، فلم يَرْضَ، ذكره الزَّجَّاج.
فَلَزِمَهُ المُنَافِقِ وقال : انْطلِقْ بَنَا إلى عُمَر، فَصَار إلى عُمَر، فقال اليَهُودِيُّ [لعمر] اخْتَصَمْتُ أنَا وهَذَا إلى محمَّدٍ، فقضى [لي] عليْهِ، فلم يَرْض بقَضَائِهِ، وزَعَم أنه يُخَاصِم إلَيْكَ، فقال عمر :[للمُنَافِقِ] أكذلك ؟ قال : نَعَم ؛ فقال لهما : رُوَيْدَكُمَا حتى أخْرُجَ إلَيْكَما.
فدخَلَ عُمَرُ البَيْتَ وأخذَ السَّيْفَ واشْتَمل عَلَيْه، ثم خَرَجَ، فَضَرَبَ بِهِ المُنَافِقَ حَتَّى برد، وقال : هكذا أقْضِي بَيْن مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَاء الله ورسُولِهِ، فنَزَلَت هذه الآية.
وقال جِبْريل - عليه السلام - : إن عُمَر فرّق بين الحقِّ والبَاطِلِ، فَسُمِّي الفَارُوق.
وقال السُّدِّي : كان نَاسٌ من اليَهُود [قد] أسْلَمُوا ونَافَقَ بعضُهُم، وكانَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضيرُ في الجَاهِليَّة، إذا قَتَلَ رَجُلٌ من بَنِي قُرَيْظَة [رَجُلاً من بني النضير قُتِل بِهِ، أو أخَذَ ديتهُ مئة وَسْقٍ من تَمْرٍ، وإذا قتل رَجُلٌ من بني النضير رَجُلاً من قُرَيْظة لم يُقْتَل بِهِ] وأعْطَى ديتهُ سِتِّين وسْقاً، وكانت النَّضِير وهم حُلَفَاءُ الأوْسِ أشْرَف وأكْثَر من قُرَيْظَة، وهم حُلَفَاءُ الخَزْرَج، فَلَمَّا جَاء الإسْلاَمُ، وهاجر النَّبِيُّ ﷺ إلى المَدِينَةِ قَتَل رجُلٌ من النَّضِير رَجُلاً من قُرَيْظَة، فاخْتَصَمُوا في ذَلِكَ، فقال بَنُو النَّضِير : كُنَّا وأنتم اصْطَلَحْنَا على أن نَقْتُل مِنكم ولا تَقْتُلُون مِنَّا، وديتُكُم سِتُّون وَسْقاً، وديَتُنَا مئةُ وَسْقٍ، فنحن نُعْطِيكُم ذَلِك.
فقالت الخَزْرج : هذا شَيْءٌ كنتم فَعَلْتُمُوه في الجَاهِليَّةِ ؛ لكَثْرَتِكُم وقِلَّتِنَا فَقَهَرتُمُونا، ونحن وأنْتُم اليَوْم إخوةٌ، ودينُنَا ودِينُكُم وَاحِدٌ، فلا فَضْلَ لكُم عَلَيْنَا، فقال المُنَافِقُون مِنْهم : انْطَلِقُوا بِنَا إلى أبِي بردة الكَاهِن الأسْلمِيّ، وقال المُسْلِمُون من الفَريقَيْن : لا بلْ
٤٥٤


الصفحة التالية
Icon