المَعْمُول، وهو " إيَّاهُم " حيث لا يَتَقَدَّم العَامِل ؛ لأن الخَبَر مَتَى كَانَ فِعْلاً رافعاً لضمِيرٍ مُسْتَتِرٍ، امْتَنَع تَقْدِيمه على المُبْتَدأ، لئلا يَلْتبس بالفَاعِلِ، نحو : زَيْد ضَرَب عَمْراً، وأصل مَنْشَأ هذا البَحْث تَقْدِيم خَبَر " لَيْس " عليها، أجازه الجُمْهُور ؛ لقوله - تعالى - :﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود : ٨] ووجه الدَّليل أن " يَوْم " مَعْمُولٌ لـ " مصروفاً " وقد تَقَدَّم على " لَيْسَ "، وتقديم المَعْمُول يؤذِنُ بتقديم العَامِلِ، فعورضوا بما ذَكَرْنَا.
فصل في تفسير القول البليغ قيل المراد بـ " القَوْل البَلِيغ " : التَّخْوِيف باللَّه - عزَّ وجَلَّ -، وقيل : تَوعَّدَهُم بالقَتْل إن لم يَتُوبُوا.
وقال الحَسَن : القَوْلُ البَلِيغُ أن يَقُول لَهُم : إن أظْهَرْتم ما في قُلُوبكُم من النِّفَاقِ، قُتِلْتُم ؛ لأنه يَبْلُغ في نُفُوسِهِم كُلَّ مَبْلَغٍ.
وقال الضَّحَّاك :" فأعرضْ عَنْهُم وعِظْهُم " في المَلأ [الأعْلى]، " وقل لهم في أنفسهم قولا بليغاً " في السِّرِّ والخَلاَء.
وقيل : هذا مَنْسُوخٌ بآيةِ القِتَالِ.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٤٥٧
لما أمر - [تعالى] - بطاعَةِ الرَّسُول في الآيةِ الأولَى، رغَّب في هذه الآيةِ مَرَّة أخْرَى.
قال الزَّجَّاج : كلمة " مِنْ " هَهُنَا صِلَة زَائِدَة، والتَّقْدِير : وَمَا أرْسلْنَا رَسُولاً.
قوله :" ليطاع " هذه لاَمُ كي، والفِعْلُ بَعْدَها مَنْصُوب بإضْمَار " أن "، وهذا استِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ من المَفْعُول لَهُ، والتَّقْدِير : ومَا أرسَلْنَا من رسُولٍ لشَيْءٍ من الأشْيَاءِ إلاَّ للطَّاعَةِ.
و " بإذن الله ".
فيه ثلاثَةَ أوْجُه : أحدها : أنه يَتَعَلَّق بـ ﴿لِيُطَاعَ﴾ والبَاءُ للسَّبَبِيَّة، وإليه ذَهَب أبُو البَقَاءِ ؛ قال : وقيل : مَفْعُولٌ به، أي : بِسَبَبِ أمْر اللَّه.
الثاني : أن يَتَعَلَّق بـ " أرسلنا " أي : وما أرسلنا بأمْرِ اللَّه، أي : بِشَرِيعَته.
الثالث : أن يتعلَّق بِمحْذُوفٍ على أنه حالٌ من الضَّمِير في " يطاع " وبه بَدأ أبُو البَقَاء.
وقال ابن عَطِيَّة : وعلى التَّعْلِيقَيْنِ ؛ أي : تعليقُهُ بـ " يطاع " أو بـ " أرسلنا "، فالكلام عَامٌّ واللَّفْظُ خاصٌّ، المعنى لأنَّا نَقْطَع أن اللَّه قد أرَاد من بَعْضِهِم ألاَّ يُطيعُوه، ولذلِك تأوَّل بَعْضُهم الإذْن بالعِلْمِ، وبعضهم بالإرْشَادِ.
قال أبو حَيَّان : ولا يَحْتَاجُ لذلك ؛ لأن قَوْلَه عامُّ اللَّفْظِ مَمْنُوع ؛ وذلك أن " يطاع " مبني للمَفْعُول فيقدر ذَلِك الفَاعِل المَحْذُوف خَاصاً، وتقديره : إلاَّ ليُطيعَه من أراد [الله] طاعَتَهُ.
فصل قال الجُبَّائِيّ : معنى الآية : وما أرْسَلْنَا من رسُول إلاّ وأنا مُريدٌ، أن يُطَاعَ ويُصَدَّق، ولم أرسِلْهُ لِيُعْصَى، [و] وهذا يَدُلُّ على بُطْلان مَذْهَب المجَبَّرة ؛ لأنَّهُم يَقُولون : إنه - تعالى - أرْسَل رُسُلاً لتُعْصَى، والعَاصي من المَعْلُومِ أنَّهُ يَبْقَى على الكُفْرِ، وقد نَصَّ الله - تعالى - على كَذبِهِم في هَذِه الآيَة، وكان يَجِبُ على قَوْلِهِم أن يكُون قَدْ أرْسَل الرُّسُل لِيُطاعُوا وليُعْصُوا جَميعاً، فدلَّ ذلك على أنَّ مَعْصِيتَهُم للرُّسُل غير مُرَادةٍ لله - تعالى -، وأنَّه ما أرَادَ إلا أنْ يُطاعَ.
٤٦٣


الصفحة التالية
Icon