بُدَّ من حُصُولِ الانْقِيَاد في الظَّاهِرِ والقَلْبِ، وذلك يَنْفِي صُدُورَ الخَطَإ عَنْهُم، فَدَلَّ ذلك على أنَّ قَولَه :﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة : ٤٣]، وفتواه في أسْرَى بَدْرٍ، وقوله :﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم : ١]، وقوله :﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾ [عبس : ١] كل ذلِكَ مَحْمُول على التَّأوِيل.
فصل قالت المعتزلة : لو كانت الطَّاعَاتُ والمَعَاصِي بَقَضَاء الله - تعالى - لَزِم التَّنَاقُضُ ؛ لأن الرَّسُول إذا حَكَم على إنْسَانٍ بأنه لا يَفْعلُ كَذَا، وجب على جَمِيع المكَلَّفين الرِّضَا بذلك ؛ لأنه قضاءُ الرّسُول، والرِّضى بقَضَاءِ الرَّسُولِ وَاجِبٌ [لهذه الآية، ثم إن ذلك المكلَّف فعل ذَلِكَ بقَضَاءِ اللَّهِ، والرِّضَا بقضَاء اللَّه وَاجِبٌ] فيَلْزَمُ أن يَجِب على جَمِيع المكلَّفِين الرِّضَا بِذلِكَ الفِعْل، لأنه قضاء اللَّه، فوجب أن يَلْزَمَهُم الرِّضَا بالفِعْلِ والتَّرْكِ مَعاً، وذلك مُحَالٌ.
والجوابُ : أن المُرَاد من قَضَاءِ الرَّسُول : الفَتْوى بالإيجَابِ والمُرَاد من قَضَاء الله : التكوِين والإيجَادِ، وهما مفهومان مُتغايَران، فالجَمْعُ بينهما لا يفضي إلى التَّنَاقُض.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٤٦٦
هذه الآيةِ مُتَّصِلَة بما تقدَّم من المُنَافَقِين، وترغيب لَهُم في تَرْكِ النِّفَاقِ، والمَعْنَى : أنَّا لو شَدَّدْنا التكلِيف على النَّاسِ ؛ نحو أن نأمُرَهُم بالقَتْلِ، والخُرُوج عن الأوْطَانِ، لَصَعُبَ ذلك عليهم ولما فَعَلَهُ إلا قَلِيلٌ، وحينئذٍ يظهر كُفْرُهُم، فلم نَفْعَلْ ذلك رَحْمَةً مِنَّا على عِبَادِنا، بل اكْتَفَيْنَا بتكْلِيفِهِم في الأمُور السَّهْلَة، فَلْيَقْبَلُوهَا ولْيَترُكُوا التَّمرُّد.
نزلت في ثَابت بن قَيْس بن شِمَاس، نَاظَر يهُودِيَّا.
فقال اليَهُودِيّ : إن مُوسَى أمَرَنا بقَتِْ أنْفُسِنَا فَفَعَلْنَا ذَلِك، ومحمد يأمرُكُم بالقِتَال فتكْرَهُونَهُ.
فقال ثابت بن قَيْس : لو أنَّ مُحَمَّداً أمَرَنِي بقَتْل نفسي، لفَعَلْت ذلك فنزلت الآيةُ، وهو من القَِيلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ.
وقال الحسن ومُقاتِل : لماّ نَزَلَت هذه الآيةُ، " قال عُمَر، وعمَّار بن يَاسِر، وعبد لله بن مَسْعُود، وناسٌ من أصْحَاب النبي ﷺ وهم القليلُ : واللَّه لَوْ أمَرَنَا لفعلنا، فالحَمْدُ للَّه
٤٧١
الذي عَافَانا اللَّه فبلغ ذَلِك النَّبِيّ ﷺ، فقال " إنَّ مِنْ أمَّتِي لَرِجَالاً، الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِم مِنَ الجِبَالِ الرَّواسِي ".
والضَّمِيرُ في قوله :﴿كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ فيه قولان : الأوّل : قال ابن عبَّاسٍ ومُجَاهِد : إنه عَائِد إلى المُنَافِقين لأنه - تعالى - كَتَبَ على بَنِي إسرائيلَ أن يَقْتُلوا أنْفُسَهم، وَكَتَب على المُهَاجِرِين أن يَخْرُجُوا من ديارِهم، فقال :﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾ على هؤلاءِ المُنَافِقِين القَتْل والخُرُوجَ، ما فَعلهُ إلا قَلِيلٌ ريَاءً وسُمْعَة، وهذا اخْتِيَار الأصَمِّ والقَفَّال.
[القول] الثاني : المراد : لو كَتَب اللَّه على النَّاسِ ما ذَكَر، لم يَفْعَلْه إلا قَلِيلٌ منهم، فَيَدْخُل فيه المُؤمِنُ والمُنَافِق.
قوله :﴿أَنِ اقْتُلُوا ااْ﴾ " أن " فيها وجهان : أحدهما : أنها المُفَسِّرة ؛ لأنَّها أتت بعد ما هُو بمعنى القَوْلِ لا حَرُوفهِ، وهو أظْهَر.
الثاني : أنها مَصْدَريَّة، وما بَعْدَها من فِعْل الأمْرِ صِلَتُها، وفيه إشْكَالٌ ؛ من حيث إنَّه إذا سُبك منها ومِمّا بَعْدَها مَصْدرٌ، فأتت للدِّلالةَ [على الأمر، ألا تَرَى أنَّك إذا قُلْتَ : كتَبْتُ إلَيْه أنْ قُمْ فيه من الدَّلالَةِ] على طَلَبِ القِيَام بطريق الأمْرِ، ما لا في قَوْلِك : كَتَبْتُ إليه القِيَام، ولكنَّهمُ جَوَّزوُا ذلك واسْتَدَلُّوا بقولِهِم : كَتَبْتُ إليه بأن قُمْ.
ووجه الدلالة : أن حَرْفَ الجَرِّ لا يُعَلَّق.
وقرأ أبو عمرو : بكسر نُونِ " أن " وضَمّ واو " أو "، قال الزَّجَّاج : ولست أعرف لِفَصْل أبي عَمْروٍ بين هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ خَاصيَّة إلاّ أن يَكُون رِوَايَةً.
وقال غيره : أمّا كَسْر النُّونِ ؛ فلأن الكَسْرَ هُو الأصْلُ في التِقَاء السَّاكِنَيْن، وأما ضَمُّ الواو فللإتبَاعِ ؛ لأن الضَّمَّة في الواوِ أحسن ؛ لأنَّها تُشْبِه وَاوَ الضَّمِير، نحو :﴿اشْتَرُواْ الضَّلاَلَةَ﴾ [البقرة : ١٦] ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ﴾ [البقرة : ٢٣٧] وكَسَرَهُمَ حَمْزَة وعَاصِم ؛ لالْتِقَاء السَّاكِنَيْن، وضَمَّهُمَا ابن كَثِير، ونَافِع [وابن عامر] والكسائي ؛ للاتبَاعِ فيهما.
٤٧٢