قال أبو حيَّان : ويحتاج مِثْل هذا إلى سَمَاعِ من العَرَبِ، وقال ابن عَطِيَّة :" وكأن " مُضَمَّنة مَعْنَى التَّشْبيه، ولكنها لَيْسَتْ كالثَّقِيلَةَ في الإحْتِيَاج إلى الاسْم والخَبَر، وإنما تَجيءُ بعدها الجُمَل، وظَاهِرِ هذه العِبَارَة : أنها لا تَعْمَلُ عند تَخْفِيفها، وقد تقدَّم أن ذَلِك قَوْل الكُوفيين لا البَصْرِييِّن، ويُحْتَمَل أنه أراد بذلك أن الجُمْلَة بعدها لا تَتَأثَّر بها لَفْظاً ؛ لأن اسْمَهَا مَحْذُوف، والجُمْلَة خَبَرُها.
وقرأ ابن كثير، وحفص من عاصم، ويعقوب :[يَكُنْ] بالياء ؛ لأن المَوَدَّة في مَعْنَى الوُد [و] لأنه قد فُصِلَ بَيْنَها وبَيْن فِعْلِها، والبَاقُون : بالتَّاء اعْتِبَاراً بلَفْظِها.
قال الواحدي : وكِلْتَا القراءَتَين قد جَاء التَّنْزِيل به ؛ قال ﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [يونس : ٥٧] وقال :﴿فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ﴾ [البقرة : ٢٧٥] فالتأنيث هو الأصْلُ، والتَّذْكِير يَحْسُن إذا كان التَّأنِيثُ غير حَقِيقيّ، لا سيِّما إذا وقع فَاصِل بين الفِعْل والفَاعِل، و " يكُون " يحتمل أن تكُون تَامَِّةٌ، فيتعلق الظَّرْفُ بها، أو بِمَحْذُوفٍ، لأنَّه حالٌ ممن " مودة " إذ هو في الأصْلِ صِفَة نكرة قُدِّم عليها، وأن تكُون نَاقِصة، فيتَعَلَّق الظَّرْف بمحذوفٍ على أنه خَبرَهَا، واخْتَلَفُوا في هَذِه الجُمْلَة على ثلاثةِ أقْوَالٍ : الأوّل : أنها اعْتِرَاضيَّة لا مَحَلَّ لها من الإعْرَابِ، وعلى هَذَا فما المُعْترض بَيْنَهما ؟ فيه وجهان : أحدهما : أنَّهَا مُعْتَرِضَة بين جُمْلَة الشَّرْطِ التي هِيَ ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ﴾ وبين جُمْلَة القَسَم التي هي " وَلَئِنْ أصَابَكُمْ "، والتَّقْدير :﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ قال ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ كأن لم تكن بينكم [وبينه مودة، ولئن أصابكُم فَضْل.
فأخرت الجُمْلَة المعترض بها أعني قوله] ﴿كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ﴾ والنية بها التوسط، وهذا قول الزجاج وتبعه الماتُريدي، وردَّ الرَّاغِب الأصْبَهاني هذا القَوْل بأنَّه مستَقْبَحٌ، لأنه لا يَفْصِل بين بَعْض الجملة [وبَعْض] ما يتعلَّق بِجُمْلة أخْرَى.
٤٩٠
قال شهاب الدين : وهَذَا من الزَّجَّاج كأنه تَفْسِير مَعْنَى لا إعْرَاب، على مَا يأتِي ذِكْرُه عَنْهُ في تفسير الإعْرَاب.
الوجه الثاني : أنها مُعْتَرِضَة بين القَوْل ومَفْعُوله، والأصْل : ليقولنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُم كأن لَمْ يكُن، وعلى هذا أكثر النَّاسِ، وقد اخْتَلَفَت عِبَاراتُهم في ذَلِك، ولا يَظْهَرُ المَعْنَى إلا بِنَقْل نصوصهم فَلْنَنْقُلْهَا.
فقال الزَّمَخْشَري : اعْتِرَاضٌ بين الفِعْلِ الَّذي هو " ليقولن " وبين مَفْعُولِهِ وهو " يا ليتني " والمعنى : كأنَّه لم يتقدم له مَعَكُم مَوَدَّة ؛ لأن المُنَافِقِين كانوا يُوادُّون المؤمنين في الظَّاهر أنَّه تَهكُّم ؛ لأنهم كَانُوا أعْدَى عَدُوٍّ للمؤمِنِين، وأشدَّهم حَسَداً لهم، فكيف يُوصَفُون بالمَوَدَّة إلا على وَجْهِ العَكْسِ والتَّهَكُّم.
وقال الزَّجَّاج : هذه الجُمْلَة اعْتِرَاضٌ، أخبر - تعالى - بذلك ؛ لأنَّهُم كانوا يُوادُّون المؤمنين.
وقال ابن عَطيّة : المنافق يُعَاطِي المؤمنين المَوَدَّة، ويُعَاهِدُ على الْتِزَامٍ حِلْفِ الإسْلاَمِ، ثم يَتَحلَّف نِفَاقاً وشَكّاً وكُفْراً بالله ورسُوله، ثم يَتَمَنَّى عِنْدَما ينكشف الغَيْبُ الظَّفْرُ لَلمُؤْمنينن فعلى هذا يَجِيءُ قَوْلُه :" كأن لم يكن " التفاتة بليغَة، واعْتِراضاً بين القَوْل والمَقُول بِلَفْظٍ يُظْهِر زيادَةً في قُبْحِ فِعْلِهِم.
وقال الرازي : هو اعْتِراضٌ في غايَةِ الحُسْنِ ؛ لأن من أحَبِّ إنْسَاناً فَرح لِفَرَحِه، وحَزِنَ لحُزْنِهِ، فإذا قَلَبَ القَضِيَّة فذلك إظْهَارٌ للعَدَاوَة، فحكى - تعالى - سُرُور المُنَافِقِ عند نَكْبَةِ المُسْلِمِين، ثم أرَادَ أن يَحْكِي حُزْنه عِنْدَ دَوْلَةِ المسْلِمِينِ بسبب فَواتِهِ الغَنِيمَةـ فقَبْل أن يَذْكُرَ الكَلاَم بتَمَامِهِ، ألْقَى قوله :﴿كَأَن لَّمْ تَكُنْ﴾ والمراد التَّعَجُّب ؛ كأنه يَقُول : انْظُرُوا إلى ما يَقُولَه هذا المُنَافِقُ كأن لَمْ تكن بَيْنَكُم وبَيْنَهُ مودَّة ولا مُخَالَطَة أصْلاً، والذي حَسَّن الاعتراض بهذه الجُمْلَة وإنْ كان محلها التَّأخِير، كوْنَ ما بَعْدَهَا فَاصِلَة وهيَ لَيْسَت بِفَاصِلَة.
وقال الفَارِسِي : وهذه الجمْلَة من قَوْل المُنَافِقِين الَّذِين أقْعَدُوهُم عن الجِهَادِ ؛ وخَرَجُوا هُمْ لم تكُنْ بَيْنَكُم وبَيْنَه أي : وبَيْن الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - مودَّة، فيخرجكم مَعَهُ لتأخذوا من الغنيمة ليُبَغّضُوا بذلك الرَّسُولَ إليْهم، فأعاد الضَّمِيرَ في " بَيْنَهُ " على النَّبي - عليه الصلاة والسلام -.
٤٩١