ويقال :" أشاد " أيْضاً، فيكون فَعَل وأفْعَل بِمَعْنًى.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ : شاد القَصْرَ إذا رَفَعَهُ أو طَلاَه بالشِّيد، وهو الجِصُّ وهذا قَوْل عِكْرمَة، وقال قتادة [معناه :] في قُصُورٍ محصَّنةٍ، وقال السُّدِّيُّ في بُرُوجِ في سَمَاءِ الدُّنْيَا مَبْنِيَّة، وهي بُرُوج الفلك الاثْنَي عشر، وهذا القَوْل مَحْكِيٌّ عن مَالِك، ومعنى مشيدة، [أي] مادّة من الرَّفْع ؛ وهي الكَوَاكِبُ العِظَام.
وقيل : للكَواكِب : بُرُوجٌ، لظُهُورِها من بَرِجَ يَبْرِج إذا ظَهَر وارْتَفَع، ومِنْهُ :﴿﴾.
وخلقها الله - تعالى - في مَنَازِل للشَّمْس والقَمَر، وقدّره فِيهَا، ورتَّب الأزمِنَة عَلَيْهَا.
قوله :﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـاذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ نزلت في المُنَافِقينَ واليَهُود ؛ وذلك أنَّهم قَالُوا لما قَدِم رسُول الله ﷺ المدِينَةَ : ما زلنا نَعْرِف النَّقْصَ في ثِمَارِنَا ومَزَارِعِنَا مذ قِدَم هَذا الرَّجُل وأصْحَابهُ.
قال الله - تعالى - " وإن تصبهم " يعني : اليهود " حسنة " أي : خصب ورُخص في السِّعْر، " يقولوا هذه من عندنا " لنا ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني : الجَدْب وغَلاَء الأسْعَار، " يقولوا من عندك " أي : من شُؤْم محمَّدٍ وأصْحَابه، وكَيْفِيَّة النَّظم : أنَّه - تعالى - لما حَكَى [عنهم] كونهم [متثاقلين عن اجهاد خائفين من الموت راغبين في متاع الدنيا، حكى عنهم] في هَذِه الآية خَصْلَة أخْرَى أقبَح من الأولى.
وفي النَّظْم وَْه آخَر ؛ وهو أنَّ الخَائِفِين من المَوْت، المُتَثَاقِلِين في الجِهَادِ من عَادَتِهِم أنَّهم إذا جَاهَدُوا وقَاتَلُوا، فإن أصَابُوا ظَفَراً أو غَنِيمةً، قالوا : هَذِه من عِنْد الله، وإن أصَابَهُم مَكْرُوه، قالوا : هذه من شُؤْمِ مُصَاحَبة محمَّد صلى الله عليه وسلم.
فعلى هذا يكُون المُرَادُ بـ " الحسنة " : الظفر والغَنِيمَة يوم بَدْر، وبـ " السيئة " : القَتْل والهَزِيمة يوم أُحُد، وهذا نَظير قَوله :﴿فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـاذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ [الأعراف : ١٣١].
٥٠٧
قال القاضي : القول بأن الحَسَنَة هي الخصب، وأن السَّيِّئَة هي الغلاء، [هذا] هو المعتبر، لأن إضافة الخصب والغلاء وكثرة النِّعم وقلَّتِها إلى الله جَائِزَةٌ وأمَّا إضافة النَّصْر والهزيمةِ إلى الله - تعالى -، وهَذَا على مَذْهَبِه] أمَّا على مَذْهَب أهْل السُّنَّة، فالكل بِقَضَاءِ الله وقدَرِه.
فصل في تفسير الحسنة والسيئة اعلم أن السِّيِّئَة تَقَع على البَلِيَّة والمَعْصِيَة، والحَسَنة على النِّعْمَة والطَّاعَة ؛ قال تعالى :﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف : ١٦٨] وقال - [تعالى - :﴿إِنَّ] الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود : ١١٤]، وإذا ثبت هذا ؛ فنقو : قَوْله :﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾، وقوله :﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يفيد العُمُوم في كُلِّ الحَسَنَات والسَّيِّئات، ثم قال بَعْدَه :﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾.
فهُنَا تصريحٌ بأنَّ جميع الحَسَنات والسَّيِّئات من الله - تعالى -، ولمَّا ثَبَتَ بما ذكرنا أنَّ الطَّعات والمَعَاصِي دَاخِلَتَانِ تحت اسْم الحَسَنَةِ والسَّيِّئَة، كانت [الآية] دالَّة على [أنَّ] جميعَ الطَّاعاتِ والمَعَاصي من الله تعالى، وهو المَطْلُوبُ.
[فإن قيل] : المرادُ من الحَسَنة والسَّيِّئَة هُنا : لَيْس هو الطَّاعَة والمَعْصِيَة ؛ لاتِّفَاق الكُلِّ على أنَّ هذه الآية نَزَلت في الخَصب والجَدْب، فاخْتُصَّتْ بِهِمَا، وأيضاً فالحَسَنة التَّي يُرَاد بها الخَيْر والطَّاعَة [لا يقال فيها : أصابَتْنِي، إنما يُقَال : أصَبْتُها، وليس في كَلاَم العَرَب أصَابَ فُلان حَسَنَة]، [بمعنى : عَمِلَ خَيْرٍ أو أصَابَتْهُ سيِّئة] بمعنى : عمل مَعْصِيَةٍ، فلو كان المُرَاد ما ذَكَرْتُم، لقَالَ : إن أصَبْتُم حَسَنَةً.
وأيضاً : لفظ الحَسَنَة وَاقِعٌ بالاشْتِرَاك على الطَّاعَةِ وعلى المنفعة، وهَهُنا أجْمَع المفسِّرون على أنَّ على الطَّاعضةِ وعلى المنفعة، وهَهُنَا أجْمَع المفسِّرون على أنَّ المَنْفَعَة مُرَادة، [فيمتنع كَوْن الطَّاعَة مرادة]، لأنَّه لا يجوز اسْتِعْمضال المُشْتَرَك في مَفْهُومَيْه مَعاً.
والجواب عن الأوَّل :[أن] خصوصَ السَّبَب لا يَقْدَحُ في عُمُوم اللَّفْظ.
٥٠٨