أي : بإرسال، بمعنى رِسَالة.
و " للناس " يتعلق بـ " أرسلناك "، واللاَّم للعِلَّة، وأجاز أبو البقاء أن يكونَ حَالاً من " رسولاً " كأنه جَعَله في الأصْلِ صِفَةً للنَّكِرَة، فقُدِّم عليها، وفيه نَظَر.
فصل قال الجُبَّائِيُّ : قد ثَبتَ أنَّ لَفْظَ السِّيِّئَة يقع على البَلِيَّةِ والمِحْنَة، وتارة يقع على الذَّنْب والمَعْصِيَة، ثم إنَّه - تعالى - أضَافَ السِّيِّئَة إلى نَفْسِهِ في الآية الأولَى بقوله :﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾، وأضَافَها في هذه الآيَةِ إلى العَبْد بِقَوْله :﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ ولا بُدَّ من التَّوْفِيقِ بين الآيَتَيْنِ ؛ فنقول : لمَّا كانت السَّيِّئَةُ بمكعنى البَلاَءِ والشِّدَّة مُضَافَة إلى الله، وجب أن تَكُون السِّيِّئَةُ بمعْنَى المُصِيبَة مُضَاَفة إلى العَبْدِ ؛ ليزُول التَّنَاقُضُ بين هَاتَيْنِ الآيَتَيْن المُتَجَاوِرَتَيْن، وقد حَمَل المُخَالِفُون أنْفُسَهم على تَغْيِير الآيَةِ، وقرأوا :" فمن نفسك " فَغَيَّروا القُرْآن، وسلَكُوا مثل طريقَةِ الرَّافِضَة في ادِّعاءِ التَّغْيير في القُرْآن.
فإن قيل : إن الحسَنَة وإن كَانَت من فِعْل العَبْد، فإنَّما وَصَل إلَيْهَا بتسْهِيله وألْطَافِه، فصَحَّت الإضَافَةُ إلَيْه، وأمَّا السَّيِّئة، فَهِي غير مُضَافَةٍ إلى الله - تعالى - بأنَّه [مَا] فَعَلَها، ولا أرَادَهَا، ولا أمَرَ بِهَا، ولا رَغَّبَ فيهَا.
فلا جَرَم انْقَطَعَتْ هذه النِّسْبَة إلى الله تعَالى من جَمِيعِِ الوُجُوهِ.
٥١٢
قال ابن الخَطِيبِ : والجَوابُ : أن هذه الآيَةَ دلَّت على أنَّ الإيمَان حَصَل بتَخْلِيق الله - تعالى - : لأن الإيمَان حَسنَةٌ [والحَسَنَة] هي الغِبْطَةَ الخَالِيَةُ عن جَمِيعِ جِهَاتِ القُبْحِ، والإيمان كَذَلِكَ ؛ فوجب أن تكُون حَسَنة ؛ لأنَّهم اتَّفَقُوا على أنَّ قوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت : ٣٣] أن المُرادَ به : كلمة الشَهَادة، وقيل في قوله :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ [النحل : ٩٠] قيل : هو قَوْل لا إلَه إلاَّ الله ؛ فَثَبت أنَّ الإيمان حَسَنَة، وإنما قُلْنَا : إن كل حَسَنَةَ من الله ؛ لقوله - تعالى - :﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وهذا يفيد العُمُوم في جَميع الحَسَنَاتِ، وإذا ثَبَت أنَّ الإيمان حَسَنة، وكُلُّ حسنة من الله، وجب القَطْع بأنَّ الإيمَان من اللهِ.
فإن قيل : لم لا يجُوز أن يكون المُرَادُ من قوله :" من الله " هو أنَّ الله قدَّرَه عَلَيْه، وهَدَاه إلى مَعْرَفَة حُسْنهِ، وإلى مَعْرِفَة قُبْحِ ضِدّه الذي هو الكُفر.
قُلْنَا : جميع الشَّرَائِطِ مُشْتَرَكَةٌ بالنِّسْبَة إلى الإيمَانِ والكفر عندكم ثمَّ إنَّ العَبْد باخْتِيَار نَفْسِه أوْجد الإيمان، ولا مَدْخل لِقُدْرة الله وإعانَتِه في نَفْس الإيمَانِ، فكان الإيمَانُ مُنْقَطِعاً عن الله - [تعالى] - من كل الوُجُوهِ، فكذا هَذَا مُنَاقِضاً لقوله :﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ؛ فثبت لدلاَلَة هذه الآية أن الإيمان من الله، والخُصُوم لا يَقُولُون به، وأمَّا بيان أنَّ الكُفْر من اللهِ فَلوُجُوه : أحدُهَا : أن كُلَّ من قَالَ : الإيمانُ من الله قال الكُفْر من الله ؛ فالقَوْل بأحَدِهِمَا من الله - تعالى - دُون الآخَرِ - مخالِفٌ لإجْمَاع الأمَّةِ.
وثانيها : أن العَبْد لو قَدَر على تَحْصِيل الكُفْرِ، فالقُدْرَة الصَّالِحة لإيجَادِ الكُفْر : إمَّا أن تكُون صَالِحة لإيجَادِ الإيمان، أو لا، فإن كانت صَالِحَةً لإيجَادِ الإيمانِ، [فحينئذٍ] يَعُود القول في أنَّ إيمان العَبْدِ مِنْهُ، [وإن لَمْ تَكُنْ صَالِحةٌ لإيجَادِ الإيمَانِ، فيكُونُ القَادِر على الشَّيْءِ غير قَادِر على ضِدَّه، وذلك عندهُم مُحَالٌ ؛ فثبت أنَّهُ لَمْ يَكُنْ الإيمَان مِنْه، وجَب ألاّ يكُونَ الكُفْر مِنْهُ].
وثالثها : أنَّه لمَّا يكُن العَبْد مُوجداً للإيمَانِ فبأن لا يكون موجداً للكفر أوْلى ؛ وذلك لأنَّ المُسْتَقِلَّ بإيجَادِ الشَّيْءِ هو الَّذي يُمْكِنُه تَحْصِيلُ مُرَادِهِ، ولا نَرَى في الدُّنْيَا عَاقِلاً، إلاَّ يُريدُ أن يكُون الحَاصِل في قَلْبهِ هو [الإيمان والمَعْرِفَة والحقّ، وإن أحداً مِنِ العُقَلاء لا يُرِيدُ أن يكُونَ الحَاصِلُ في قلبه هو] الجَهْل والضَّلال والاعْتِقاد الخطأ، فإذا كان العبد موجودا لافعال نفسه، وهو لا يقصد الا تحصيل العلم الحق المُطابق، وَجَب إلاَّ
٥١٣