أي بإرسال، بمعنى رسالة.
و " للناس " يتعلق بـ " أرسلناك "، واللام للعلة.
وأجاز أبو البقاء أن يكون حالاً من " رسولاً " كأنه جعله في الأصل صفةً للنكرةَ فَقُدِّم عليها، وفيه نظر.

فصل وهذا يدلُّ على أن المُرَاد من هَذِه الآيات إسناد جميع الأمُور إلى الله - تعالى - ؛


٥١٥
لأنَّ المَعْنَى : ليس لك إلاَّ الرِّسَالة والتَّبْلِيغ، وقد فَعَلْت وما قصَّرت، " وكفى بالله شهيداً " على جَدِّك وعَدَم تَقْصِيرك في أدَاء الرِّسَالة وتَبْليغ الوَحْي، فأمَّا حُصُول الهِدَايَة فليس إلَيْك، بَلْ إلى الله ؛ ونظيره قوله - تعالى - :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران : ١٢٨]، وقوله :﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص : ٥٦].
وقيل المَعْنَى : وكفى بالله شهيداً على إرْسالِك وصدْقَك، وقيل : وكَفَى بالله شهيداً على أنَّ الحسنة والسَّيِّئة كُلَّها من الله.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٥١٠
وذلك أن النَّبيَّ ﷺ كان يقُول :" مَنْ أطَاعَنِي فَقَدْ أطاعَ الله، ومن أحَبَّنِي فقد أحَبَّ الله " فقال بَعْضُ المُنَافِقِين : ما يُريدُ هذا الرَّجُلُ إلا أن نَتَّخِذَهُ ربّاً ؛ كما اتَّخَذَتِ النَّصَارى عِيسَى ابن مَرْيمَ ربّاً ؛ فأنزل الله - عز وجل - :" من يطع الرسول " فيما أمَرَهُ [الله] " فقد أطاع الله "، " ومن تولى " : عن طاعته " فما أرسلناك " يا محمَّد " عليهم حفيظاً " أي : حَافِظاً ورَقِيباً، بل كل أمُورهم إلى الله - تعالى -، ولا تغتم بسبب تولِّيهم ولا تَحْزَن، والمُرَادُ : تسلِيَة الرَّسُول - عليه الصَّلاة والسلام -.
قيل : نَسَخَ الله - عز وجل - هذه الآية بآية السَّيْف، وأمره بِقتال من خَالَفَ الله ورسُوله.
قوله :" حفيظاً " : حالٌ من كَافِ " أرسلناك " و " عليهم " مُتعلِّق بـ " حفيظاً "، وأجاز فيه أبُو البَقَاءِ ما تقدَّم في " للنَّاسِ ".
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٥١٥
في رفع " طاعة " : وجهان : أحدهما : أنه خبرُ مُبْتَدأ مضمَرٍ، تقديره :" أمر طاعة " ولا يجُوز إظهارُ هذا المُبْتَدأ ؛ لأن الخَبَر مَصْدَر بدلٌ من اللَّفْظِ بفعله.
والثاني : أنه مُبْتَدأ والخَبَر مَحْذُوف، أي : مِنَّا طَاعَة، أو : عَنْدنا طَاعَةٌ، قال مكي :" ويجُوز في الكَكَم النَّصْبُ على المَصْدَر ".
قوله :" فإذا برزوا " [وأخْرِجُوا]، من عندك بيت طائِفَةٌ مِنْهُم غير الَّذي تَقُولُ.
٥١٦
أدغم أبو عَمْرو وحمزة : تاء " بَيَّت " في طَاءِ " طائفة " لتقاربهما، ولم يَلْحَقِ الفِعْلَ علامةُ تأنيث ؛ لكونه مَجَازياً، و " منهم " : صِفَةٌ لـ " طائفة "، والضَّمِير في " تَقُول " يحتمل أن يكُون ضَمير خِطَاب للرَّسُول - عليه السلام -، أي " غيرَ الذي تَقُولُه وترسم به يا مُحَمَّد، ويؤيِّده قِرَاءة عبد الله :" بيَّتَ مُبَيِّتٌ مِنْهُم "، وأن يكون غَيْبَة للطَّائفة، أي : تقول هي.
وقرأ يَحْيَى بن يَعْمر :" يقول " بياء الغَيْبَة، فيحتمل أن يَعُود الضَّمِيرُ على الرَّسُول بالمَعْنَى المُتقدِّم، وأن يَعُود على الطَّائِفَةِ، ولم يرنِّث الضَّمِيرَ ؛ لأن الطِّائِفَة في معنى الفَرِيق والقوم.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ :" بيت طائفة " أي : زوَّرت وسوَّت " غير الذي تقول " : خلاف ما قُلْت ومَا أمَرْت به، أو خَلاَف ما قَالَتْ ومَا ضَمِنَت من الطَّاعَة ؛ لأنَّهم أضْمَرُوا الرَّدَّ لا القَبُول.
قال الزَّجَّاج : كل أمر تفكر فيه وتُؤوِّل في مصالحه ومفاسده كثيراً، قيل : هذا أمْر مُبَيَّتٌ ؛ قال - تعالى - :﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء : ١٠٨]، وقال قتادَةُ والكَلْبِيُّ : بَيَّت، أي : غيَّر وبَدَّل الَّذِي عَهِدَ إليهم النَّبيُّ ﷺ، ويكون التَّبْييتُ بمعنى : التَّبْدِيل.
وقال أبُو عُبَيْدَة : والتَّبييتُ معناه : قالُوا وقَدَّرُوا لَيْلاً مَا أعطوك نهاراً، وكل ما قُدِّر بلَيْل فهو مُبَيَّتٌ.
وقال أبو الحَسَن الأخْفَش : تقول العَرَب للشَّيْءِ إذا قُدِّرَ : بَيْتٌ، يُشَبِّهُونَهُ بتقدير بُيُوت الشِّعْر، وفي اشْتِقَاقه وَجْهَان : أحدهما : أم أصْلح الأوْقَات للفكْر أن يَجْلِس الإنْسَان في بَيْتِهِ باللَّيل، فهناك تكُون الخَوَاطِر أجْلى والشَّواغل أقَل، فلما كان الغَالِبُ أنَّ الإنْسَان وقت اللَّيْل يكون في البَيْتِ،
٥١٧


الصفحة التالية
Icon