قوله - تعالى - :" فقاتل " : في هذه الفَاءِ خَمْسَةُ أوجه : أحدها : أنَّها عاطفةٌ هذه الجُمْلَة على جُمْلة قوله :﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء : ٧٤].
٥٢٨
الثاني : أنها عاطفتها على جُمْلَةِ قوله :﴿فَقَاتِلُوا ااْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء : ٧٦].
الثالث : أنَّها عاطِفتُها على جُمْلَة قوله :﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ﴾ [النساء : ٧٥].
الرابع : أنها عاطفتها على جملة قوله :﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء : ٧٤].
الخامس : أنها جوابُ شرط مُقَدَّر، أي : إنْ أرَدْت فقاتل، وأولُ هذه الأقْوَال هو الأظْهَر.
فصل لما أمر بالجِهَاد في الآيات المُتقدِّمة ورغب فيه، وذكر قِلَّة رغبة المُنَافِقِين في الجِهَاد، عاد [إلى] الأمْر بالجِهَاد في هَذِه الآية.
قوله :﴿لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ في هذه الجُمْلَة قولان : أحدهما : أنها في محلِّ نَصْب على الحَالِ من فاعل " فقاتِلْ " أي : فقاتِلْ غير مُكّلِّفٍ إلا نَفْسُك وحدها.
والثاني : أنها مُسْتأنفة أخْبَرَه - تعالى - أنه لا يكلِّف غَيْرَ نَفْسِه.
والجمهور على " تُكَلَّفُ " بِتَاء الخِطَاب ورفْع الفعل مبنيّاً للمفعُول، و " نفسك " هو المفعُول الثاني، وقرأ عبد الله بن عُمَر :" لا تُكَلِّفْ " كالجَمَاعة إلا أنه جزمه، فقيل : على جَواب الأمْرِ، وفيه نظرٌ، والذي يَنْبَغِي أن يكُون نَهْيَاً، وهي جملة مُسْتأنفة، ولا يجُوز أن تكون حَالاً في قراءة عبد الله ؛ لأنَّ الطَّلَب لا يكون حالاً، وقرئ " لا نكلف " بنُون العَظَمَة ورفع الفِعْل، وهو يَحْتَمِل الحال والاستئنَاف المُتقدِّمَيْن.
فصل في سبب نزول الآية روي أن رسُول الله ﷺ واعد أبا سُفيان بعد حَرْب أحد موسم بدر الصُّغْرى في ذِي القَعْدَة، فلما بلغ المِيعَاد دعَا النَّاس إلى الخُرُوج فكرهه بَعْضُهُم ؛ فأنزل الله :﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ﴾ أي : لا تَدَع جِهَاد العَدُوِّ ولو ودك، فإن الله قد وعدك بالنُّصْرة، و ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال : ٦٥] أي : حثَّهُم ورغَّبْهم في الثَّواب، فَخَرَج رسُول الله ﷺ في سَبْعِين رَاكِباً فَكَفَاهُم الله القِتَالَ.
والتَّحْرِيض : الحَثُّ على الشيءِ، قال الرَّاغِب : كأنه في الأصْل إزالةُ الحَرَض، نحو :" قَذَيْتُه " أي : أزَلْت قَذَّاهُ وأحْرَضْتُه : أفسَدْتُه كأقذيته، أي : جَعَلْتُ فيه القَذَى، والحَرَضُ في الأصْل : ما لا يُعْتَدُّ به ولا خَيْر فيه، ولذلك يقال للمُشْرِف على الهَلاكِ :
٥٢٩
" حَرَض " ؛ قال - تعالى - :﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً﴾ [يوسف : ٨٥] وأحرصه كذا، قال :[البسيط] ١٨٤٦ - إنِّي امْرؤٌ هَمٌّ فأحْرَضَنِي
حَتَّى بلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٥٢٨
فصل دلَّت الآية على أنَّه لو لم يُساعده على القِتَالِ غيره، لم يجز له التَّخَلُّفُ عن الجِهَادِ ألْبَتَّة، والمعنى : لا تؤاخذ [إلا] بفعلك دون فِعْل غَيْرِك، فإذا أدَّيْت فرضك لا تُكَلِّف بِفَرْض غَيْرِك، واعْلَم : أنَّ الجِهَاد في حَقِّ الرَّسُول ﷺ واجِبٌ، فإنه على ثِقَة من النَّصْر والظَّفْرِ ؛ لقوله - [تعالى] - :﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة : ٦٧]، وقوله هَهُنَا :﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾ وعسى من الله : جَزْمٌ وَاجِبٌ فلزمه الجِهَاد وإن كان وحده بِخِلاف أمَّته، فإنه فَرْضُ كِفَايَة، فما لَمْ يَغْلِب على الظَّنِّ أنه يُفيد، لم يَجِبْ.
وقوله :﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي : قِتَال المُشْركين والبَأس أصله المكرُوه، يقال : ما عَلَيْكَ من هذا الأمْر بَأسٌ، أي : مَكْرُوه، ويقال : والعَذَاب قد يُسَمَّى بأساً ؛ لكونه مَكْرُوهَاً ؛ قال - تعالى - :﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾ [غافر : ٢٩]، ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾ [الأنبياء : ١٢] ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر : ٨٤] قوله :﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾ " بأساً و " تنكيلاً " : تمييز، والتَّنْكِيل تفعيل من النَّكْل وهو القَيْد، ثم اسْتُعْمِل في كُلِّ عذاب يقال : نَكَلْت فُلاناً ؛ إذا عَاقَبْتُه عقوبَةً تَنْكِيل غَيْره عن ارتِكَابِ مِثْله، من قَوْلِهِم : نَكَل الرَّجُل عن الشَّيءِ، إذا جَبُن عَنْه وامْتَنَع منه ؛ يُقَال : نَكَلَ فلان عن اليَمين ؛ إذا خَافَه ولم يُقْدِم عَلَيْه، قال - تعالى - :﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة : ٦٦] وقال في حَدِّ السَّرقَة :﴿جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ﴾ [المائدة : ٣٨]، فقوله :﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً﴾ أي : أشد صَوْلَةً وأعظم سُلْطَاناً، يَدُوم، وعذاب الله لا يَقْدِر أحدٌ على التَّخَلُّص مِنْهُ، وعذاب غَيْره يتخلَّص مِنْه.


الصفحة التالية
Icon