وَكُنْتُ عَلَى إسَاءَتِهِ مٌقِيتًا
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٥٣٠
أي : مقتدراًن ومنه :[الخفيف] ١٨٤٨ - لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذَا مَا
قَرَّبُوهَا مَنْشُورَةً وَدُعِيتُ
ألِيَ الْفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذَا حُو
سِبْتُ " أنَّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ
وأنشد نَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ :[الطويل] ١٨٤٩ - تَجَلَّد ولا تَعْجَزْ وَكُنْ ذَا حَفِيظَةٍ
فَإنِّي عَلَى مَا سَاءَهُمْ لَمُقِيتُ
قال النَّحَّاس :" هو مُشْتَقٌ من القُوتِ، وهو مِقْدَارُ ما يَحْفَظ به بَدَنُ الإنْسَانِ من الهَلاَك " فأصل مُقيت : مُقْوِت كَمُقِيم.
[و] يقال : قُتُّ الرَّجُلَ ؛ إذا حَفِظْتَ عليه نَفْسهُ " وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقيت " وفي رواية من رَوَاه هَكَذَا، أي : مَن هو تَحْت قُدْرَته وفي قَبْضَتِه من عِيَالٍ وغيره ؛ ذكره ابن عَطِيَّة : يقول :[منه : قُتُّهُ] أقوته قُوتاً، وأقَتُّهُ أقِيتُهُ إقَاتَةً، فأنا قَائِتٌ ومُقِيتٌ.
٥٣٣
وأمَّا قول الشَّاعِرِ :[الخفيف] ١٨٥٠ - …………………..
إنِّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ
فقال الطَّبَرِي : إنه من غَيْر هَذا [المعنى المتقدِّم، فإنه بمَعْنَى الموقوفِ، ] فأصْل مُقِيت : مُقْوِت كمُقِيم.
وقال مُجَاهِدٌ : معنى مُقِيتاً : شاهداً وقال قتادة : حَفِيظاً، وقيل معناه : على كل حيوان مُقِيتاً، أي : يُوصِل القُوت إلَيْه.
قال القَفَّال : وأي هَذَيْن المعنيين كان فَالتَّأوِيل صَحِيحٌ، وهو أنه - تعالى - قادر على إيصَال النَّصِيب والكفيل من الجَزَاءِ إلى الشَّافِع ؛ مثل ما يُوصِلُه إلى المَشْفُوع، إن خيراُ فَخَيْرٌ، وإن شَرَّاً فَشَرٌّ، ولا ينتَقِص بسبَب ما يَصِل إلى الشَّافِع [شيء] من جَزاء المَشْفُوع، وعلى الوَجْه الآخر : أنَّه تعالى - حَافِظُ الأشْيَاء شَاهِدٌ عليها، لا يَخْفَى عليه شَيْءٌ من أحْوَالِهَا، فهو عَالِمٌ بأن الشَّافِع يَشْفَع في حَقِّ [أو في] بَاطِل، حَفِيظٌ عليهم فَيُجَازِي كلاًّ بما عَلِمَهُ منه.
وقوله :﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً﴾ وَلَمْ يقتيه بوقتٍ، والحالُ يدلُّ على أن هذه الصِّفَةِ كانت ثَابِتَة له من الأزَلِ إلى الأبَدِ وليست مُحْدَثة.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٥٣٠
في النَّظْم وجْهَان : أحدهما : أنَّه لما أمَرَ المُؤمِنِين بالجهاد، أمَرَهُمْ أيضاً بأن الأعْدَاء لو رَضُوا بالمُسَالَمَةِ فكونوا أنْتُم [أيضاً] رَاضِين بها، فقوله :﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ كقوله - تعالى - :﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال : ٦١].
٥٣٤
والثَّانِي : أن الرَّجُل [في الجِهَاد] كان يلْقَّاهُ الرَّجُل في دَارِ الحَرْبِ أو ما يُقارِبُها، فَيُسَّلمُ عليه لا يَلْتَفِتُ إلى سلامِهِ [ويقتله]، وربَّمَا ظَهَرض أنَّهُ كان مُسْلِماً، فأمرهم بأن يُسَلِّم عليهم أو يُكْرِمهم، فإنهم يقابلونه بمثل ذَلِكَ الإكْرَام أو أزْيَد، فإن كان كَافِراً، لم يَضُرَّ المسلم مُقَابَلَة إكْرَام ذلك الكَافِر بنوع من الإكْرَام، وإن كان مسلماً فَقَتَلَه، ففيهِ أعْظَم المَضَارِّ والمفَاسِدِ، ويقال : التحية [في الأصْلِ] : البَقَاءِ والمِلْكُ.
قال القُرْطُبِي : قال عبد الله بن صالح العِجْليّ : سألت الكسَائِيُّ عن قوله :" التحيات لله " ما مَعْنَاهَا ؟ فقال : التَّحِيَّاتُ مثل البَرَكَاتِ، قلت : ما معنى " البركات " ؟ فقالك ما سَمِعْت فيها شيئاً، وسألْت عنها مُحَمَّد بن الحسن [فقال] : هو شَيْءٌ تعبدّ الله به عبادَهُ، فقدِمْتُ الكُوفَة فلقيت عَبْدَ الله بن إدْرِيس : إنه لا عِلْم لهما بالشَّعْرِ وبهذه الأشْيَاءِ، التَّحِيَّة : المُلك وأنْشَدَهُ :[الوافر] ١٨٥١ - أؤمُّ بِهَا أيَا قَابُوسَ حَتى
أُنِيحَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بجنْدِي
وقال آخَرَ :[مجزوء الكامل] ١٨٥٢ - وَلِكُلِ مَا نَالَ الفَتَى
قَدْ نِلْتُهُ إلاَّ التَّحِيّيهْ
ويقال : التَّحِيَّة : البَقَاء والملك، ومنه :" التحيات لله "، ثم استُعملت في السلام مَجَازاً، ووزنها، تَفْعِلَ من حَيَّيْت، وكان في الأصْل : تحيية ؛ مثل " : تَوْصية وتَسْمِيَة، والعرب تؤثر التَّفْعِلة على التَّفْعيلِ [فيٍ ذَوَاتِ الأرْبَع ؛ نحو قوله :﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة : ٩٤].
والأصل : تَحْيِيَة فأدغمت، وهذا الإدغَامُ واجبٌ خِلافاً للمَازِني، وأصْل الأصْل تَحْيِيُّ ؛ لأنه مَصْدَر حَيّا، وحَيّا : فَعَّل مَصْدره على التَّفْعِيل، إلا أن يَكُون مُعْتَلَّ اللامِ ؛ نحو : زكَّى وغَطَّى، فإنه تحذف إحْدَى اليَاءَيْن ويعوَّض منها تَاء التَّأنيثِ ؛ فيقال : تَزْكِيه وتغْطِيَة، إلا ما شَذَّ من قوله :[الرجز]
٥٣٥
١٨٥٣ - بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا تَنْزِيًّا
كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٥٣٤