الأوَّل : قال - عليه الصلاة والسلام - :" لا تبدَءُوا اليَهُود بالسَّلام "، ورخَّصَ بَعْضَ العُلَمَاءِ في ذلك إذا دَعَت إليه حَاجَة، وأما إذا سَلَّمُوا علينا، فقال أكْثَر العُلَمَاءِ : ينبغي أن يُقَال : وعليْكَ ؛ لأنَّهم كانوا يَقُولون عِنْد الدُّخُولِ على الرسول - عليه الصلاة والسلام - السَّامُ عَلَيْك، فكان - عليه السلام - يَقُول : وعَلَيْكُم، فجرت السُّنَّةُ بذلك، فإذا قُلْنَا : وعليْكُم السَّلام، فهل يجوز ذِكْر الرَّحْمَة ؟ قال الحَسَن : يجُوز أن يُقال للكافِرِ : وعَلَيْكُم السلامَ، ولكن لا يُقَال : ورَحْمَة اللهِ ؛ لأنها اسْتِغْفَارٌ.
وعن الشَّعبيّ ؛ أنه قال لِنَصْرانيّ وعليْك السَّلام ورَحمة الله، فقيل له فيه، فقال : ألَيْس في رَحْمَة الله [يَعِيشُ].
الثاني : إذا دَخَل الحَمَّام [فرأى] النَّاس متَّزرين يُسَلِّم عليهم، وإن لم يكُونُوا متَّزرين، لم يُسَلِّم عليهم.
الرابع : ترك السَّلام على القَارِئ ؛ لأنه يقطع عليه التِّلاوة ؛ وكذلك روايَة الحَدِيث.
الخَامِس : لا يُسَلَّم على المُشْتَغِل بالأذَان والإقَامَةِ.
السادس : لا يسَلَّم [على] لاعب النَّرْدِ، ولا المغَنِّي، ولا مُطَيِّر الحَمَامِ، ولا المستغل بِمَعْصِيَة اللهِ.
السَّابِع : لا يُسَلَّم على المُشْتَغِل بقضاء الحَاجَةِ ؛ لما تقدَّم من الحَدِيث، وقال في آخِرِه :" لَولاَ أنِّي خَشِيتُ أنْ يَقُول : سلَّمْت علَيْه فَلَمْ يَرُدَّ الجَوَاب، وإلا لَمَا أجِبْتُك، إذا رَأيْتَنِي على هذه الحَالَةِ، فلا تُسَلِّم، فإنك إن سلَّمْت لم أرُدَّ عَلَيْك ".
الثَّامن : إذا دخل الرَّجُل بَيْتَه فَيُسَلِّم على امْرأته، وإن حَضَرت أجْنَبِيَّة، [لم] يسلم عَلَيْهِمَا.
٥٤٠
قال القرطبي : ولا يُسَلِّم على النِّسَاء الشَّابات الأجَانِب ؛ خوف الفِتْنَة من مُكَالَمَتِهِن بنزعة شَيْطَانٍ أو خائنة عَيْنٍ، وأما المَحَارِمُ والعجائز فَحَسَنٌ.
فصل والرَّدُّ فرض كِفَايَة ؛ إذا قام به البَعْض سَقَطَ عن البَاقِين، والأوْلى للكُلِّ أن يحيُّوا ؛ إذ الرد وَاجِبٌ [على الفَوْر] فإن أخَّر حتى انْقَضى الوَقْت، وأجابه بعد فَوْت [الوقت]، كان ابْتِداء سَلاَمٍ ولا جَوَاباً، وإذا وَرَد السلام في كِتَاب، فجوابه وَاجِبٌ بالكِتَاب أيْضاً للآية، وإذا سَلَّمت المَرْأة الأجْنَبيَّة عَلَيْه، وكان في رد الجَوَابِ عليها تُهْمَةٌ أو فِتْنَةٌ، لم يجب الردّ، بل الأوْلَى إلا يفعل وحيث قُلْنَا : لا يُسَلِّم، فلو سَلَّم لم يجب الرَّدُّ ؛ لأنه أتَى بِفِعْل منهِيٍّ عَنْه، فكان وجوده كَعَدَمِه.
قوله :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ قيل : الحِسيب بمعنى المُحَاسِبِ على العَمَل ؛ كالأكيل والشَّرِيب والجَليسِ، بمعنى : المؤاكِل والمُشَارِب والمُجَالِس، أي : على كل شَيْءٍ من ردِّ السلام بِمِثلِه وبأحْسن مِنْهُ، " حسيباً " : أي : مُحَاسِباً ومُجَازِياً، وقيل : بمعنى الكَافِي من قَوْلهم : حَسْبي كَذَا، أي : كافياً، قاله أبُو عُبَيْدَة ؛ ومنه قوله تعالى :﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [التوبة : ١٢٩]، وقال مُجَاهِد : حَفِيظاً.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٥٣٤
وجه النَّظْمِ أنه - تعالى - يقول : من سَلَّم عليْكُم وحيَّاكم، فاقبلوا سَلامَهُ وأكْرِمُوه وعامِلُوه بناءً على الظَّاهِر، وأما البَوَاطِن فلا يعْلَمُها إلا اللهُ الذي لا إله إلا هُو، وإنما تَنْكَشِفُ بواطن الخَلْقِ في يَوْم القِيَامَة.
قوله :" ليجمعنكم " جواب قَسَم مَحْذُوف.
[قال القُرْطُبِيُّ : اللامُ في قوله :" ليجمعنكم " ] لام قَسَم، نزلت في الَّذِين شَكُّوا في البَعْثِ، فأقْسَمَ الله - تعالى - بنفسه، وكلُّ لامٍ بعدها نُونٌ مشَدَّدَةٌ فهي لامُ القَسَم وفي جملةِ هذا القَسَمِ مع جوابه ثلاثةُ أوجهٍ : أحدُها : أنها قي مَحَل رفعٍ خَبَراً ثانياً لقوله :" الله "، و " لا إله إلا هو " : جُمْلَةُ خَبَر أوّل.
والثاني : أنها خَبَر لقوله :" الله " أيضاً، و " لا إله إلا هو " : جملة اعتراضٍ بين المُبْتَدأ وخبره.
٥٤١


الصفحة التالية
Icon