أي : رُدُّوا، وقال الرَّاغِب :" الرِّكْس والنِّكْس : الرَّذْلُ، إلا أنَّ الرِّكْس أبلغُ ؛ لأن النِّكْسَ : ما جُعِل أعلاه أسْفَله، والرِّكْسَ : ما صَارَ رَجِيعاً بعد أن كَانَ طعاماً ".
وقال النَّضْر بن شميل والكَسَائي : الرَّكْس والنِّكْس : قلب الشَّيْء على رَأسِه، أو رَدِّ أوَّلِهِ على آخِره، والمَرْكُوس والمنكُوسُ وَاحِدٌ.
وقيل : أرْكسه أوْبقَه، قال :[المتقارب] ١٨٥٧ - بِشُؤْمِكَ أرْكَسْتَنِي فِي الخَنَا
وأرْمَيْتَنِي بِضُرُوبٍ الْعَنَا
وقيل : الإركاس : الإضلال، ومنه :[المتقارب] ١٨٥٨ - وأرْكَسْتَنِي عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى
وصَيَّرتَنِي مَثَلاً لِلْعِدَى
وقيل : هو التنكيسُ، ومنه :[الرمل] ١٨٥٩ - رُكِّسُوا في فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ
كَسَوَادِ اللَّيْلِ يَتْلُوهَا فِتَنْ
وارتكَس فُلانٌ في أمْر كَانَ، أي : نَجَا مِنْهُ والرُّوكُوسِيَّةُ : قوْمٌ بين النَّصَارى والصَّابِئِين، والرَّاكِس : الثَّور وسْط البَيْدَر والثيران حوالَيه وقت الدياس.
٥٤٦
ويقال : أرْكس ورَكَّس بالتَّشْدِيد ورَكَّس بالتَّخْفِيف : ثلاث لُغَات بمعنى واحد، وارتكَس هو، أي : رجع.
وقرأ عبد الله :" ركسهم " ثلاثياً، وقرئ " ركَّسهم - ركَّسوا " بالتشديد فيهما.
وقال أبو البقاء :" وفيه لُغَةٌ أخرى :" ركسه الله " من غير همز ولا تشديد، ولا أعلم أحَداً قرأ به ".
قلت : قد تقدَّم أن عبد الله قَرَأ " والله ركسهم " من غير همز ولا تشديد [ونقل ابن الخطيب أنَّها قراءة أبيِّ أيْضاً] وكلام أبي البَقَاءِ مُخْلِّصٌ ؛ فإنه إنما ادَّعى عَدَمَ العلمِ بأنَّها قِرَاءةٌ، لا عدمَ القراءة بها.
قال الرَّاغب :: إلا أن " أركسه " أبلغُ من " ركسه " ؛ كما أنَّ أسْفَلَه أبلغُ من سُفْلَه " وفيه نظر.
فصل قوله :﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ قالت المُعْتزِلة : المُرَاد من قوله :" أضل الله " ليس أنَّه هو خلق الضَّلال فيه للوُجُوه المَشْهُورة ؛ لأنه قال قبل هذه الآية :﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ااْ﴾ فبيَّن - تعالى - [أنه] إنَّمَا رَدَّهُم وطَرَدَهُم بسبب كَسْبِهِم وفِعْلِهِم، وذلك يَنْفِي القَوْل بأنَّ ضلالَهُم حصل بِخَلْق الله، وعند هذا حَمَلُوا قوله :" ومن أضل [الله] " على وُجُوه : أحدُها : المُرَاد أنَّ الله حَكَم بضلالهم وكُفْرِهم ؛ كما يُقَال : فلان يكفر فُلاناً ويضَلِّلُه، بمعنى : أنه حَكَم به وأخبر عنه.
وثانيها : أن المَعْنَى : أتُريدون أن تَهْدُوا إلى الجَنَّةِ من أضَلَّه الله عن طريق الجَنَّةِ ؛ وذلك لأنَّه - تعالى - يُضِلُّ الكُفَّار يوم القيامَة عن الاهْتِدَاء إلى طريق الجَنَّةِ.
وثالثها : أن يُفَسَّر الإضْلال بمعنى الألْطَاف، وقد تقدَّم ضَعْفُ هذه الوُجُوه، ثُمَّ نقول : هَبْ أنَّها صحيحة، ولكِنَّه - تعالى - أخْبَر عن كُفْرِهِم وضلالِهِم، وأنَّهم لا يَدْخُلون الجَنَّة، فقد تَوَجَّه الإشْكَال ؛ لأن انْقِلاب علم الله - تعالى - جهلا مُحَالٌ، والمُفْضِي إلى المُحَالِ مُحَالٌ، ويدل على أنَّ المُرَاد أنه - تعالى - أضَلَّهُم عن الدِّين - قوله - تعالى - :﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ والمَعْنى : أنه - تعالى - لمَّا أضلَّهُم عن الإيمَانِ امتنع أن يجد المَخْلُوق سَبِيلاً إلى إدْخَالِه في الإيمَانِ.
٥٤٧


الصفحة التالية
Icon