جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٢
فصل في بيان معنى الاستثناء إنما ذكر عليه الصًّلاة والسَّلام هذا الاستثناء ؛ لأنه لا يبعد أن يحدث للإنسان في مستقبل عمره شيء من المَكَارِهِ، والحَمْقَى من الناس يحملون ذلك على أنَّهُ إنما حَدَثَ ذلك المكروه بسبب أن طَعَنَ في إليه الأصنام، فذكر إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - ذلك حتى إنَّهُ لو حَدَثَ به شيء من المَكَارِهِ لمي يحمل على هذا السبب.
وقوله :" وسِعَ ربِّي كُلَّ شَيءٍ عِلْماً " يعني : أنه عالم الغيوب، فلا يفعل إلاَّ الخير والصلاح والحكمة، فبتقدير أن يحدث من مَكَارِهِ الدنيا شيءٌ، فذلك ؛ لأنه - تعالى - عرف وَجْهَ الصَّلاحِ والخير فيه، لا لأجل أنه عقوبة على الطّعن في إلهية الأصْنَام.
قوله :" علماً " فيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب على التمييز، وهو مُحَوَّلٌ عن الفاعلِ، تقديره :" وسع علم ربّي كُلَّ شيء " كقوله :﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ [مريم : ٤] أي : شيب الرأس.
٢٥٦
والثاني : أنه مَنصُوبٌ على المفعولِ المطلق، لأن معنى وَسِعَ : عَلِمَ.
قال أبو البقاء :" لأنَّ الشَّيْءَ فَقَدْ أحَاطَ به، والعالم بالشيء مُحيطٌ بعلمه ".
قال شهابُ الدِّين : وهذا الَّذِي ادَّعَاهُ من المجاز بعيدٌ.
و " كل شيء " مفعول لت " وسع " على التقديرين.
و " أفَلا تَتَذَكَّرُونَ " جملة تقرير وتوبيخ، ولا مَحَلَّ لها لاستئنافها، والمعنى : أفلا تتذكرون أن نَفْيَ الشركاء والأضداد والأنداد عن اللَّهِ لا يوجبُ حلول العذاب ونزول العقاب، والسَّعْي في إثبات التوحيد والتنزيه لا يوجب استحقاق العذاب والعقاب.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٢
قد تقدَّم الكلامُ على " كيف " في أوَّل البقرة [آية ٢٨]، و " ما " يجوز فيها ثلاثة أوجهٍ، في حيِّز التَّعْجُّبِ والإنكار، وأن تكون حاليةً، أي : وكيف أخاف الذي تشركون حال كونكم أنتم غير خائفين إشراككم، ولا بُدَّ من إضْمَارِ مبتدأ قبل المضراع المنفي بـ " لا " لما تقدَّم غير مرَّةٍ، أيك كيف أخاف الذي تشركون، أو عاقبة إشارككم حال كونكم آمنين من مَكْرِ اللَّهِ الذي أشركتم به غيره، وهذه الجملة وإن لم يكن فيها رَابِطٌ يعود على ذِي الحالِ لا يَضُرُّ ذلك، لأن الواو بنفسها رابطة.
وانظر إلى حُسْنِ هذا النَّظْمِ السَّويِّن حيث جعل متعلّق الخَوْفِ الواقع منه الأصنام، ومتعلق الخوف الواقع منهم إشاركهم باللَّهِ غيره تَرْكاً لأن يعادل الباري - تعالى - لأصنامهم لو أبْرَزَ التركيب على هذا، فقال :" ولا تخافون اللَّه " مُقَابَلَةً لقوله :" وكيف أخافُ معبوداتكم ".
وأتى بـ " ما " في قوله :" ما أشركتم " وفي قوله :﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً﴾ إلاَّ أنهم غير عقلاء ؛ إذ هي جماد وأحْجَارٌ وخشبٌ كانوا يَنْحِتُونَهَا ويعبدونها.
وقوله :" مَا لَمْ يُنَزَّلْ " مفعول لت " أشركتكم "، وهي موصولة اسميَّة أو نكرة، ولا تكون مَصْدريَّةً لفساد المعنى، و " به " و " عليكم "، متعلقان بـ " يُنَزِّلْ " ويجوز في " عَلَيْكُمْ " وجه
٢٥٧
آخر، وهو أن يكون حالاً، من " سًلْطَاناً " ؛ لأنَّهُ تَأخَّر عنه لجاز أن يكون صِفَةً.
وقرا الجمهور :" سُلْطَاناً " ساكن اللام حيث وقع، وقُرِئَ بِضَمِّهَا، وهل هي لغة مُسْتَقِلَّةٌ، فيثبت فيها بناء فعل بضم الفاء والعين، أو هي إتباع حركةٍ لأخرى.
ومعنى الآية : وكيف أخَافُ الأصنام التي لا قُدْرَةَ لها على النَّفْعِ والضُّرِّ ولا تُبْصرُ ولا تَسْمَعُن وأنتم لا تخافون من الشِّرْكِ الذي هو أعظم الذنوب، وليس لكن حُجَّةٌ على ذلك.
وقوله :﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ أي : ما لكم تنكرون عَلَيَّ الأمْنَ في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمْنَ في موضع الخوفِ فقال :" فَأيُّ الفريقَيْنِ أحَقُّ " ولم يَقُل :" فايُّنَا أحَقُّ نَحْنُ أم أنتم " إلزاماً لِخَصْمِهِ بما يدَّعيهِ عليهن وأحترازاً من تَزْكِيَة نفسه، فعدل عنه إلى قوله :" فايُّ الفَريقَيْنِ أحَقُّ بالأمْنِ "، يعني : فريق المشركين أم الموحدين ؟ وهذا بخلاف قول الآخر :[الكامل] ٢٢٢٧ - فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خَالِيَيْنِ لَتَعلَمَنْ
أيِّي أيُّكَ فَارِسُ الأحْزَابِ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٧