فأوّلها : قوله :﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام : ٨٣] أي : نحن آتَيْنَاهُ تلك الحُجَّةَ، وهديناه إليها، وأفَقْنَا عَقْلَهُ على حقيقتها، وذكر نَفْسَهُ باللفظ الدَّالِّ على العظمةِ [وذلك يوجب] أن تكون تلك النعمة عظيمة.
وثانيها : أنه - تعالى - خَصَّهُ بالرِّفْعَةِ إلى الدَّرجاتِ العالية، وهو قوله :﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ [الأنعام : ٨٣].
وثالثها : أنه - تعالى - جَعَلهُ عَزيزاً في الدُّنْيَا ؛ لأنه جُعِلَ للأنبياء والداً، والرُّسُلُ من نَسْلِهِ ومن ذُرَّيَّتِهِ، وأبقى هذه الكَرَامَةَ في نَسْلِهِ إلى يوم القيامةِ فقال :﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ﴾ لِصُلْبِهِ و " يَعْقُوبَ " بعده من إسحاق.
فإن قيل : لِمَ يذكر إسماعيل - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع إسحاق، بل أخَّرَ ذِكْرَهُ [عنه] بدرَجَاتٍ ؟ فالجوابُ : أن المقصود بالذِّكْرِ هاهنا أنبياء بين إٍسرائيل، وهم بِأسْرِهِمْ أولاد إسحاق.
وأمَّا إسماعيلُ فإنه لم يخرج من صُلْبِهِ نَبِيُّ إلاَّ محمدٌ عليه الصَّلاة والسَّلام، [ولا يجوز ذكر محمد - عليه الصلاة والسلام - في هذا المقام ؛ لأنه تعالى أمر محمداً] أن يحتجَّ على العربِ في نفي الشِّرْكِ باللَّهِ بأنَّ إبراهيم لمَّا تركَ الشرك وأصَرَّ على التَّوحيدِ رَزَقَهُ اللَّهُ النِّعَمَ العظيمة في الدنيا بأن آتاه أوْلاداً كانوا أنبياء ومُلُوكاً، فإذا كان المحتج بهذه الحُجَّةِ هو محمد - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - امتنع أن يذكر في هذا المعرض، .
فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق.
قوله :﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْل﴾ فالمُرَادُ أنَّهُ - تعالى - جعل إبراهيم في أشْرَفِ الأنْسَابِ ؛ لأنه رَزَقَهُ أوْلاداً مثل إسحاق ويعقوب، وجعل أنبياء بني إسرائيل من نَسْلِهِمَا، وأخرجه من أصْلابِ آباءِ طَاهِرينَ مثل " نوح " و " شيث " و " إدريس "، والمقصود بيانُ كرامَةِ إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بحسب الأولاد والآباء.
قوله :" من ذُرِّيتِهِ " " الهاء " فيها وجهان : أحدهما : أنها تعود على نُوح ؛ لأنه أقْرَبُ مذكور، ت ولأنَّ إبراهيم ومن بعده من الأنبياء كلهم مَنْسُوبُون إليه، [ولأنه ذّكر من جملتهم لُوطاً، وهو كان ابن أخي إبراهيم أو أخته، ذكره مَكِّي وغيره، وما كان من ذُرِّيَّتِهِ، بل كان من ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عليه السلام، وكان رسولاً في زمن إبراهيم.
وأيضاً : يونس - عليه الصَّلاة والسَّلام - ما كان من ذُرِّيَّةِ إبراهيم.
٢٦٤
وأيضاً قيل : إنَّ ولد الإنسان لا يُقالُ : إنَّهُ ذُرِّيَّةٌ، فعلى هذا إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - ما كان من ذُرِّيَّةِ إبراهيم].
الوجه الثاني : أنها تعود على إبراهيم ؛ لأنه المحدث عنه والقِصَّةٌ مَسُوقَةٌ إلى ذكره وخبره، وإنما ذكر نوحاً، لأن إبراهيم كونه من أولاده أحد موجبات رَفْعِهِ إبراهيم.
ولكن رُد‍َّ هذا القَوْلُ بما تقدَّم من كون لوط ليس من ذُرِّيَّتِهِ إنما هو ابن أخيه أو أخته ذكر ذلك مكي وغيره.
وقد أجيب عن ذلكن فقال ابن عباس : هؤلاء الأنبياء كلهم مُضَافُونَ إلى ذُرِّيَّةِ إبراهيم، وإن كان فيهم من لم يلحقه بولادةٍ من قبلِ أمِّ ولا أبٍ ؛ لأن لُوطاً ابن أخي إبراهيم، والعربُ تجعلُ العَمَّ أباً، كما أخبر اللَّهُ - تعالى - عن ولدِ " يعقوب " أنهم قالوا :﴿نَعْبُدُ إِلَـاهَكَ وَإِلَـاهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة : ١٣٣] وقال أبو سليمان الدِّمَشْقِيُّ :" ووهَبْنَا لَهُ لُوطاً " في المُعَاضَدةِ والمُناصَرَةِ، فعلى هذا يكون " لوطاً " منصوباً بـ " وَهْبَنَأ " من غير قَيْدٍ ؛ لكونه من ذُرِّيَّتِهِ.
وقوله :" داود " وما عطف عليه مَنْصُوبٌ إما بفعل الهِبَةِ، وإما بفعل الهداية.
و " مِنْ ذُرِّيَّتِهِ " يجوز فيها وجهان : أحدهما : أنه متعلّق بذلك الفعل المحذوف، وتكون " مِنْ " لابتداء الغاية.
والثاني : أنها حال أي : حال كون هؤلاء الأنبياء مَنْسُوبِينَ إليه.
قوله :" وكذَلِكَ نَجْزِي " الكاف في مَحَلِّ نَصْبٍ نعتاً لمصدر محذوف، أي : نجزيهم جَزَاءً مِنْلَ ذلك الجَزَاء، ويجوز أن يكون في مَحَلِّ في رفع، أي الأمر كذلك، وقد تقدَّم ذلك في قوله :" وكَذَلِكَ نُرِى إبْرَاهِيمَ ".
ومعنى " كذلك " أي : كما جزينا إبراهيم على تَوْحِيدِهِ بأن رفعنا درجته، ووهبنا له أولاداً أنبياء أتْقِيَاءَ، كذلك نجزي المحسنين على إحسانهم.

فصل في بيان نسب بعض الأنبياء " داود " ابن إيشا.


و " سليمان " هو ابنه.
و " أيوب " ابن موص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم.
و " يوسف " إبن يَعْقُوبَ بن إسحاق بن إبراهيم.
و " موسى " ابن عمان بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب.
و " هارون " أخو موسى أكبر منه بِسَنَةٍ، وليس ذكرهم على ترتيب أزمانهم.
٢٦٥


الصفحة التالية
Icon