وقال مجاهد : هم الفرس.
وقال ابن زيد : كل من لم يكفر، فهو منهم، سَوَاءً كان ملكاً، أو نبيَّا، أو من الصحابة، أو من التابعين.
قوله :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ﴾ " أولئك " مفعول مُقدَّمٌ لـ " هدى الله " ويَضْعُفُ جعله مبتدأ على حذف العائد، أي : هداهم الله كقوله :﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة : ٥٠] برفع " حُكْمُ " [والإشارة بـ " أولئك " إلى الأنبياء المتقدم ذكرهم].
قوله :" فَبِهُدَاهِمُ أقْتَدِه " قرا الأخوان بحذف الهاء في الوَصْلِ والباقون أثبتوها وَصْلاً وَوَقْفاً، إلا أن ابن عامر بكسرها، ونقل ابن ذكوان عنه وجهين : أحدهما : الكَسْر من غير وَصْلٍ بمدة، والباقون بسكونها.
أما في الوقف فإن القراء اتَّفَقُوا على إثباتها سَاكِنةً واختلفوا في " مَالِيَه " و " سُلْطَانِيَه " في " الحاقَّة " وفي " مَاهِيَهْ " في " القارعة " بالنسبة إلى الحذف والإثبات، واتفقوا على إثباتها في " كِتَابِيَهْ " و " حِسَابِيِهْ " فأما قراءة الأخوين، فالهاء عندهما للسَّكْتِ، فلذلك حَذَفَاهَا وصْلاً ؛ إذ محلها الوَقْفُ، وأثبتاها وفقاً إتْبَاعاً لِرَسْمِ المصحفن وأما من أثبتها ساكنة، فيحتمل عنده وجهين : أحدهما : هي هاء سَكْتٍ، ولكنها ثبت وَصْلاً إجْرَاءً للوصْلِ مجرى الوَقْفِ، كقوله :﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ﴾ [البقرة : ٢٥٩] في أحد الأقوال كما تقدم.
والثاني : أنها ضمير المصدر سُكِّنَتْ وَصْلاً إجْرَاءً للوَصْلِ مجرى الوَقْفِ، نحو :﴿نُؤْتِهِ﴾ [آل عمران : ١٤٥] ﴿فَأَلْقِهْ﴾ [النمل : ٢٨] و ﴿أَرْجِهْ﴾ [الأعراف : ١١١]، ﴿نُوَلِّهِ﴾ [النساء : ١١٥] ﴿وَنُصْلِهِ﴾ [النساء : ١١٥].
واختلف في المصدر الذي تعُودُ عليه هذه " الهاء "، فقيل : الهدى، أي اقتدى
٢٧٠
الهدى، والمعنى اقْتداء الهدى، ويجوز أن يكون الهدى مفعولاً لأجله ؛ أي : فبهداهم اقتد لأجل الهدى.
وقيل : الاقتداء ؛ أي : اقتد الاقتداء، ومن إضمار المصدر قول الشاعر :[البسيط] ٢٢٣٠ - هَذَا سُرَاقَةُ لِلْقُرآنِ يَدْرُسُهُ
والمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إنْ يَلْقَها ذِيبُ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٦٩
أي : يَدْرُسُ الدَّرْسَ، ولا يجوز أن يتكون " الهاء " ضمير القرآن ؛ لأن الفعل قد تعدَّى له، وإنما زيدت " اللام " تَقْوِيَةً له، حيث تقدَّم معموله، وكذلك جعل النُّحَاةُ نَصْب " زيداً " من " زيداً ضَرَبْتُهُ " بفعل مُقدَّرٍ، خلافاً للفراء.
قال ابن الأنْبَارِيّ :" إنها ضمير المصدر المؤكد النائب عن الفعل، وإن الأصل : اقتد اقتد، ثم جعل المَصْدَرُ بَدَلاً من الفعل الثاني، ثم أضْمِرَ فاتَّصَلَ بالأول ".
وأما قراءة ابن عامر فالظَّاهِرُ فيها أنها ضمير، وحُرِّكَتْ بالكَسْرِ من غير وَصْلٍ وهو الذي يسميه القُرَّاء الاخْتِلاَس تَارَةً، وبالصلة وهو المُسَمَّى إشْبَاعاً أخرى كمنا قرئ :﴿أَرْجِهْ﴾ [الأعراف : ١١١] ونحوه.
وإذا تقرَّرَ هذا فقول ابن مُجَاهِدٍ عن ابن عامر " يُشِمُّ " الهاء من غير بُلُوغِ ياء " وهذا غلط ؛ لأن هذه " الهاء " هاء وَقْفٍ لا تعرب في حالٍ من الأحوال، أي : لا تحرك وإنما تدخل ليتبيَّنَ بها حركةُ ما قبلها ليس بِجَيِّدٍ لما تقرر من أنها ضَمِيرُ المَصْدَرِ، وقد رَدَّ الفَارِسيُّ قول ابن مجاهد بما تقدم.
والوجه الثاني : أنها هاء سَكْتٍ أجْرِيَتْ مُجْرَى الضمير، كما أجريت هاء الضمير مُجْرَاهَا في السكُونِ، وهذا ليس بِجَيِّدٍ، ويروى قول المتنبي :[البسيط] ٢٢٣١ - واحَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ
.......................
بضم " الهاء " وكسرها على أنها " هاء " السَّكْتِ، شُبِّهَتْ بهاء الضمير فحركت، والأحسن أن تجعل الكسر لالتقاء الساكنين لا لشبهها بالضمير ؛ لأن " هاء " الضمير لا تكسر بعد الألف، فكيف بما يشبهها ؟ والاقتداءُ في الأصْلِ طَلَبُ المُواقَقَةِ قاله اللَّيْث.
ويقال : قدوة وقدو وأصله من القدو وهو أصل البِنَاءِ الذي يتشعب منه تصريف الاقتِدَاءُ.
٢٧١


الصفحة التالية
Icon