تقديره : وَجِلْدةُ ما بين، وإلاَّ قرابة ما بَيْن، ويدل على ذلك قراءة عبد الله، ومجاهد، والأعمش :" لقد تَقطَّع ما بينكم ".
السابع : قال الزمخشري :" لَقَدْ تقطَّعَ بينكم " : لقد وقع التَّقَطُّع بينكم، كما تقول : جمع بين الشَّيْئْينِ، تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل قول حَسَنٌ، وذلك لأن لو أضمر في " تقطّع " ضمير المصدر المفهوم منه لصار التقدير : تقطع التَّقطُّع بينكم، وإذا تقطَّع التقطع بينهم حصل الوَصْلُ، وهذا ضدُّ المقصود، فاحتاج أن قال : إن الفعل أسند إلى مصدره بالتأويل المذكور، إلا أن أبا حيَّان اعتراضه، فقال :" فظاهره أنه ليس بِجيِّدٍ، وتحريره أنه أسند الفِعْلَ إلى ضمير مصدره فأضمره فيه ؛ لأنه إن أسْنَدَهُ إلى صريح المصدر، فهو محذوف، ولا يجوز حذف الفاعل، ومع هذا التقدير فليس بِصَحيح ؛ لأن شَرْطَ الإسناد مفقود فيه، وهوتغاير الحكم والمحكوم عليه ؛ يعني : أنه لا يجوز أن يتَّحدَ الفعل والفاعل في لَفْظٍ واحد من غير فائدة، لا تقول : قام القائم، وذلك لا يجوز، مع أنه يلزم عليه أيضاً فَسَادُ المعنى كما تقدم منه أنه يَلْزَمُ أن يحصل لهم الوَصْلُ ".
قال شهاب الدِّين : وهذا الذي أورده الشَّيْخُ لا يرد لما تقدَّم من قوله الزمخشري على إسناد الفعل إلى مصدرِهِ بهذا التأويل، وقد تقدَّم ذلك التأويل.
وأما القراءة الثانية ففيها ثلاثة أوجه : أحدهما : أنه اتُّسِعَ في هذا الظرف، فأسْنِدَ الفعل إليه، فصار اسماً كسائر الأسماء المتصرف فيها، ويدُلُّ على ذلك قوله تعالى :﴿وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت : ٥] فاسْتعمَلَهُ مجرواً بـ " مِنْ " وقوله تعالى :﴿فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف : ٧٨] ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ [الكهف : ٦١] ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة : ١٠٦] وحكى سيبويه :" هُوَ أحْمَرُ بَيْنِ العَيْنينِ "
٢٩٨
وقال عنترة :[الكامل] ٢٢٤٦ - وَكَأنَّمَا أقِصُ الإكَامَ عَشِيَّةً
بِقَريبِ بَيْنِ المَنْسِمَيْنِ مُصَلَّمِ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٩٢
وقال مهلهل :[الوافر] ٢٢٤٧ - كَأنَّ رَِمَاحَنَا أشْطَانُ بِئْرٍ
بَعِيدَةِ بَيْنِ جَالَيْهَا جَرُورِ
فقد استعمل في هذه المواضع كلها مُضَافاً إليه متصرّفاً فيه، فكذا هنا، ومثله قوله :[الطويل] ٢٢٤٨ -...................
وَجِلْدَةُ بَيْنِ الأنْفِ والعَيْنِ سَالِمُ
وقوله في ذلك :[البسيط] ٢٢٤٩ -.......................
إلاَّ قَرَابَةُ بَيْنِ الزَّنْجِ والرُّومِ
وقول القائل في ذلك :[الطويل] ٢٢٥٠ - وَلَمْ يَتْرُكِ النَّبْلُ المُخَالِفُ بَيْنُهَا
أخاً لاَحَ [قَدْ] يُرْجَى وَمَا ثَوْرَةُ الهِنْدِ
يروى برفع " بينهما " وفتح على أنها فعل لـ " مُخَالف "، وإنما بُنِيَ لإضافتِهِ إلى ذلك ومثله في ذلك :" أمام " و " دون "، كقوله :[الكامل] ٢٢٥١ - فَغَدَتْ كِلاَ الفَرْجَيْنِ تَحْسِبُ أنَّهُ
مَوْلَى المخَافَةِ خَلْفُهَا وأمَامُهَا
برفع " أمام "، كقول القائل في ذلك :[الطويل] ٢٢٥٢ - ألَمْ تَرَ أنِّي قَدْ حَمَيْتُ حَقِقَتِي
وبَاشَرْتُ حَدَّ والمَوْتِ والمَوْتُ دُونُهَا
برفع " دون ".
٢٩٩