وقيل : المُرَاد : أنكم لمَّا شَاهَدْتُمْ أنَّه - تبارك وتعالى - يُخْرِج الحيَّ من الميَّت، ثم شَاهَدتم أنَّه أخْرَجَ البَدَنَ الحيَّ من النُّطْفِةِ المَيِّتَة، فَكيْفَ تَسْتَبْعِدُون أن يُخْرِجَ البَدَن الحيَّ من التُّرَاب الرَّمِيمِ مَرَّة أخرى، والمقْصُودك الإنْكَار على تَكْذِيبهم بالحَشْرِ والنَّشْرِ، وأيضاً الضَّدَّانِ متساويان في النَّسْبَةِ، فكما لا يمتنع الانقلابُ من أحد الضدين إلى الآخر، وجبَ ألاَّ يمتنع الانقلابُ من الثاني إلى الأوَّل، فكما لا يمتنع حُصُولُ المَوْتِ بعد الحياة، وجب أيضاً حُصُولُ الحياة بعد الموت، وعلى كِلاَ التَّقْديريْنِ، فيخرج منه جواز البَعْثِ والنَّشْرِ.
فصل في إثبات خلق الأفعال لله تَمسُّكُوا بقوله :" فانَّى تُؤفَكُونَ " على أن فَعْلَ العَبْدِ ليس مخلوقاً لله - تعالى - لأنه لو خَلَق الإفْكَ فيه، فكيف يليق به أن يقول مع ذلك :" فأنَّى تُؤفَكُون " والجواب : أن القُدْرَةً بالنسبة إلى الضَّدَّيْنِ مُتساويَةٌ، فَتَرَجُّعُ أحد الطرفين على الآخر لا لمرجِّح، فحينئد لا يكون هذا الرُّجْحَانُ من الضِّدِّ، بل يكون مَحْضَ الاتفاق فكيف يحسن أن يقال له :" فأنَّى تُؤفَكُون " وأن تَوَقُّفَ ذلك المرجح على حصول مرجَّح، وهو الدايعة الجَازِمَةُ إلى الفعل، فحصول تلك الدَّاعية يكون من الله - تعالى - وعند حُصُولها يجب الفعل، ويلزمكم كما ألْزَمْتُمُونا.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠١
هذا نَوْعٌ آخر من دلائل وجود الصَّانع وعلمه وقدرته وحكمته، فالنوع الأوَّل من دلالة النبات والحيوان، والنوع الثاني من أنواع الفلك.
وقوله :﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ نعت لاسم الله - تعالى -، وهو كقوله :" فالق الحبِّ " فيما تقدَّم.
والجمهور على كَسْرِ همزة " الإصباح " وهو المصدر : أصبح يصبح إصباحاً.
وقال الليث والزجاج : إن الصبح والصباح والإصباح واحد، وهما أول النهار وكذا الفراء.
وقيل : الإصباح : ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل.
رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
وقيل هو إضاءة الفجر نُقِلَ ذلك عن مُجَاهد، والظَّاهر أن " الإصباح " في الأصل
٣٠٧
مصدر كالإقبال والإدبار سُمِّيَ به الصباح، وكذا الإمساء وقال امرؤ القيس :[الطويل] ٢٢٥٨ - ألاَ أيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِ
بِصُبْحٍ وَمَا الإصْبَاحُ مِنْكَ بأمْثَلِ
وقرأ الحسن وأبو رجاء وعيى بن عمر :" الأصباح " بفتح الهمزة، وهو جمع " صُبْح " نحو : قُفْل وأقْفَال، وبرد وأبراد، وينشد قوله :[الرجز] ٢٢٥٩ - أفْنَى رِيَاحاً وَبَنِي رِيَاح
تَنَاسُخُ الأمْسَاءِ والأصْبَاحِ
بفتح الهمزة من " الأمساء " و " الأصباح " على أنهما جمع " مُسْي " و " صُبْح "، وبكسرهما على أنهما مَصْدَرَان، وقرئ " فالق الأصباح " بفتح " الأصْبَاح " على حذف التنيون لالتقاء الساكنين كقول القائل في ذلك :[المتقارب] ٢٢٦٠ -...............
وَلاَ ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاَ
وقرئ ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ﴾ [الحج : ٣٥] و ﴿لَذَآئِقُو الْعَذَابَ﴾ [الصافات : ٣٨] بالنصب حَمْلاً لنون على التنوين، إلا أن سيبويه - رحمه الله تعالى - لا يُجِيزُ حَذْفَ التنوين لالتقاء الساكنين إلا في شعر، وقد أجازه المُبرِّدُ في الشعر.
وقرأ يحيى والنخعي وأبو حيوةو :" فلق " فعلاً ماضياً، وقد تقدَّم أن عبد الله قرأ الأولى كذلك، وهذا أدَلُّ على أن القراءة عندهم سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ ألا ترى أن عبد الله كيف قرأ " فلق الحب " فعلاً ماضياً، وقرأ " فالق الإصباح " والثلاثة المذكورين بعكسه.
قال الزمخشري : فإن قلت : فما معنى " فلق الصبح "، والظلمة هي التي تنفلق عن الصُّبح، كما قال :[الطويل] ٢٢٦١ -...............
تَفَرِّيَ لَيْلٍ عَنْ بَيَاضِ نهارِ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٧
٣٠٨
قلت : فيه وجهان : أحدهما : أن يُرَادَ : فالق ظلمة الإصباح، يعني أنه على حذف مضاف.
والثاني : أنه يُرَاد : فالق الإصباح الذي هو عمود الفَجْرِ عن بياض النهار وإسْفَارِهِ، وقالوا : انشق عمود الفجر وانصدع، وسمّوا الفجر فلقاً بمعنى مَفْلُوق ؛ قال الطائي :[البسيط] ٢٢٦٢ - وَأزْرَقُ الفَجْرِ يَبْدُوا قَبْلَ أبْيَضِهِ
....................
وقرئ :" فالق " و " جاعل " بالنصب على المَدْحِ انتهى.
وأنشده غيره في ذلك :[البسيط] ٢٢٦٣ - فانْشَقَّ عَنْهَا عَمُودُ الفَجْرِ جَافِلَةً
عَدْوَ النَّحُوصِ تَخَافُ القَانِصَ اللَّحِمَا