فليس " الكاسب " هنا مقيداً بزمان، و " إن " تقيَّد بزمان فإما أن يكون ماضياً دون " أل " فلا يعمل عند البصريين، أو بـ " أل " أو حالاً أو مستقبلاً، فعلم فيضاف على ما تقرر في النحو ".
ثم قال : وعلى تقدير تسليم أن الذي للاستمرار يعمل، فلا يجوز العَطْفُ على مَحَلِّ مجروره، بل مذهب سبيويه - رحمه الله - في " الذي " بمعنى الحال والاستقبال ألاًَّ يَجُوزُ العَطْفُ على محلِّ مجروره، بل على النصب بفعل مقدَّرٍ لو قلت : هذا ضارب زيد وعمراً [لم يكن نصب عمراً] على المحل [على الصحيح] وهو مذهب سيبويه ؛ لأن شَرْطَ العَطْفِ على الموضع مفقود، وهو أن يكون للموضع محرز لا يتغير، وهذا مُوضِّحٌ في علم النحو.
قال شهاب الدين : وقد ذكر الزَّمخشري في أوّل الفاتحة في ﴿مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة : ٤] أنه لمَّا لم يُقْصَدْ به زمانٌ صارت إضافته مَحْضَةً، فلذلك وَقَعَ صفة للمعارف فمن لازم قوله : إنه يترعف بالإضافة ألاَّ يعمل ؛ لأن العالم في نِيَّةِ الانفصال عن الإضافة، ومتى كان في نِيَّةِ الانفصال كان نكرة ومتى كان نكرة فلا يقع صِفَةً للمعرفة، وهذا حَسَنٌ حيث يرد عليه بقوله : وقد تقدم تحقيق هذا في الفاتحة.
وقرأ أبو حيوة :" والشَّمْسِ والقَمَرِ " جَرّاً نَسَقاً على اللفظ وقرا شاذّاً " والشَّمْسُ والقَمَرُ " رَفْعاً على الابتداء، وكان من حَقِّهِ أن يقرأ " حُسْبَانٌ " رَفْعاً على الخبر، وإنما قرأه نَصْباً فالخبر حينئذ محذوف، تقديره مَجْعولان حُسْبَاناً، أو مخلوقان حُسْبَاناً.
فإن قلت : لا يمكن في هذه القراءة رَفْع " حسبان " حتى تلزم القارئ بذلك، لأن الشَّمْسَ والقمر ليا نَفْسَ الحسبان.
فالجواب : أنهما في قراءة النصب إما مَفْعُولان أوَّلان، و " حسبان " ثانٍ، وإما
٣١١
صاحبا حال، و " حسبان " حال، والمفعول الثاني هو الأوَّل، والحال لا بد وأن تكون صَادِقَةً على ذي الحال، فمهما كان الجواب لكن كان لنا.
والجواب ظاهر مما تقدَّم.
والحُسْبَان فيه قولان : أحدهما : انه جمعن فقيل : جمع " حِسَاب " كـ " رِكاب " و " رُكْبَان " و " شِهَاب " و " شُهْبَان "، وهذا قول أبي عبيد والأخفش وأبي الهيثم والمبرد.
وقال أبو البقاء : هو جمع " حسبانة " وهو غَلَطٌ ؛ لأن الحسبانة : القِطْعَةُ من النار، وليس المراد ذلك قطعاً.
وقيل : بل هو مصدر كـ " الرُّجْحضان " والنقصان و " الخُسْرَان "، وأما الحساب فهو اسم لا مَصْدَرٌ وهذا قول ابن السِّكِّيتِ.
وقال الزمخشري : و " الحُسْبَان " بالضم مصدر حَسَبْتُ يعني بالفتح، كما أن الحِسْبَان بالكسر مصدر حَسِبْتُ يعني بالكسر ونظيره : الكُفْرَان والشُّكْران.
وقيل : بل الحِسْبَان والحُسْبَان مصدران، وهو ول أحمد بن يحيى، وأنشد أبو عبيد عن أبي زَيْدٍ في مجيء الحُسْبَان مصدراً قوله :[الطويل] ٢٢٦٦ - عَلَى اللَّهِ حُسْبَانِي إذَا النَّفْسُ أشْرَفَتْ
عَلَى طَمَعِ أوْ خَافَ شَيْئاً ضَمِيرُهَا
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٧
وقال " حُسْبَاناً " على ما تقدَّم من المفعولية أو الحالية.
وقال ثعلب عن الأخفش : إنه منصوب على إسْقاطِ الخافض، والتقدير : يجريان بِحُسْبَانٍ ؛ كقوله :﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ [الإسراء : ٦١] أي : من طين.
وقوله :" ذلك " إشارة إلى ما تقدَّم من الفلق، أو الجعل، أو جميع ما تقدم من الأخبار في قوله " فالق الحبّ " إلى " حُسْبَاناً ".
ومعنى الآية الكريمة : جعل الشمس والقمر بحسبي معلوم لا يجوزانه حتى يتهيّئان إلى أقصى منازلهما " ذلك تَقْدِيرُ العزيزِ العَلِيم " فـ " العزيز " إشارة إلى كمال قُدْرتِهِ، " والعليم " إشارة إلى كمال عِلْمِهِ، والمعنى : أن تقديري أجْرَامِ الأفلاك بصفاتها المخصوصة وَهَيْئئَتَهَا المحدودة، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في البُطْءِ والسرعة لا يمكن تحصيله إلاَّ بِقُدْرَةِ كاملة متعلقة بجميع الممكنات، وعلم نَافِذٍ في جميع المعلومات من الكُلِّيَّاتِ والجزئيات، وذلك مختص بالفاعل المختار سبحانه وتعالى.
٣١٢
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٧