حتَّى نَسْألهم أحَقٌّ ما تقُولُه أمْ باطل، أو ائْتِنَا باللَّه والملائكة قِبِيلاً، أي : كَفيلاً بما تدَّعِيه، فَنَزَلت هَذِه الآية الكَرِيمة.
وهذا يُشْكَل باتِّفَاقهم على أنَّ هذه السُّورة نزلت دَفْعَة وَاحِدة، بل الَّذِي يَنْبَغِي أن يَكُون المَقْصُود منه : جواب ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم، وهو أنَّهُم أقسموا باللَّه جَهْد أيْمَانهم، لَوْ جاءتهم آيَةٌ ليُؤمِنُنّ بها، فذكر اللَّه - بتارك وتعالى - هذا الكلام بياناً لِكَونِهم كَاذِبِين، وأنَّه لا فَائِدة في إنْزالِ الآيَات، وإضْهار المُعْجِزَات بعد المُعْجِزَات، بل المُعْجِزة الوَاحِدة لا بُد منها لِيتَمَيَّز الصَّادق عن الكَاذِب، فأمَّا الزيادة عليها، فتحكم مَحْض لا حَاجَة إليْه، وإلاَّ فَلَهُم أن يَطْلُبوا بعد ظُهُور المُعْجِزة الثَّانية ثالثة، وبعد الثَّالثة رَابِعة، ويَلْزم منه ألاَّ تَسْتَقِرَّ الحجة، وأن لا يَنْتَهِي الأمْر إلى مقطع ومفصل، وذلك يُوجِب سَدَّ باب النُّبُوات.
قوله :" قُبُلاً " قرأ نَافِع، وابْن عَامِر :" قِبَلاً " هنا وفي الكَهْف بكسر القَافِ، وفَتْح البَاء، والكوفِيُّون هنا وفي الكَهْف، وقرأ الحسن البَصْرِي، وأبُو حَيْوة، وأبُو رَجَاء بالضَّمِّ والسُّكُون.
وقرأ أبَيّ والأعْمَش " قَبِيلاً " بياء مُثَنَّاة من تَحْت بعد بَاءٍ موحَّدة مَكْسُوةر، وقرأ طَلْحَة بن مُصَرِّف :" قَبْلاً " بفتح القَافِ وسُكون البَاء.
فأما قِرَاءة نَافِع، وابن عَامِر ففيها وجهان : أحدهما : أنَّها مُقَابَلَة، أي : مُعَايَنَةً ومُشَاهَدَةً، وانتِصَابُه على هذا الحَالِ قاله أبو عُبَيْدة، والفرَّاء، والزَّجَّاج ونقله الوَاحِدي أيضاً عن جَمِيع أهْل اللُّغة، يُقَال :" لَقِيته قِبَلاً " أي عِيَاناً.
وقال ابن الأنْبَاري :" قال أبُو ذَرّ : قُلْت للنَّبِيَّ ﷺ أنبيّاً كان آدم ؟ فقال : نعم، كان نبيّاً كلَّمه الله قبلاً " وبذلك فسًّرها ابن عبَّاس، وقتادة، وابن زَيْد، ولم يَحْكِ الزَّمَخْشَرِي غَيْره، فهو مَصْدر في مَوْضَع الحَال كما تقدَّم.
والثاني : أنَّها بمعنى نَاحِية وجِهَة قاله المُبَرِّد، وجماعة من أهل اللُّغَة كأبي زَيْد، وانتصابه حينئذٍ على الظَّرْف، كقولهم :" لي قِبَلُ فلان دَيْنُ " و " ما قِبَلك حَقُّ " ويقال :
٣٧٩
" لقِيْتُ فلاناً قِبَلا، ومُقابلة، وقُبُلاً، وقُبَلاً وقَبْلِياً، وقَبِيلاً " كله بِمَعْنَى واحد، ذكر ذلك أبُو زيد، وأتْبَعه بِكَلام طويل مُفيد فرحمه الله - تعالى - وجزاه اللَّه خيراً.
وأمَّا قِرَاءة البَاقِين هُنَا ففيها أوْجُه : أحدهما : أن يكون " قُبُلاً " جمع قِبِيل، بمعنى : كَلِيل ؛ " كرغيف " و " رُغُف "، و " قضيب " و " قُضُب " و " نَصِيب " ون " نُصُب ".
وانْتَصَابه حالاً.
قال الفرَّاء والزَّجَّاج : جَمْع قِبِيل بمعْنَى : كفيل أي : كَفِيلاً بِصِدْق محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام -، ويقال : قَبَلْتُ الرِّجل أقْبَلُه قَبالة بفَتْح البَاء في الماضي والقاف في المَصْدَر، أي : تكفَّلْت به، والقَبِيل، والكَفِيل، والزَّعِيم، والأذِين والضّمِين، والحَمِيل، وبمعنى وَاحِد.
وإنما سُمِّيت الكَفَالة قَبَالة ؛ لأنَّها أوْكَد تَقَبُّل، وباعْتِبَار معنى الكَفَالة سُمِّي العَهْد المَكْتوب : قَبالة.
وقال الفرًّاء في سُورة الأنعام :" قُبُلاً " جَمْع " قَبِيل " وهو " الكَفِيل " قال : وإنَّما اخْتَرت هنا أن يكُون القُبُل في المعنى الكفالة ؛ لقولهم :﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلا اائِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء : ٩٢] يَضْمَنُون ذلك.
الثاني : أن يَكُون جَمْع قِبِيل، بِمَعْنى : جماعةً جماعةً، أو صنْفاً صنفاً.
والمعنى :" وحَشَرْنا عَلَيْهم كلَّ فوْجاً فوْجاً، ونوْعاً نوْعاً من سَائِر المَخْلُوقات ".
الثالث : أن يكون " قُبُلاً " بِمَعْنى : قِبَلاً كالقِرَاءة الأولَى في أحد وجْهَيْهَا وهو المُواجَهة أي : مُواجَهَةً ومُعَايَنةً، ومنه " آتِيكَ قُبُلاً لا دُبُراً " اي : آتِيك من قِبَل وَجْهِك، وقال تعالى :﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف : ٢٦] وقُرئ :" لقبل عدتهن " [الطلاق : ٤١]، أي : لاسْتِقْبَالها، وقال الفرَّاء :" وقد يكون قُبُلاً :" من قِبَل وُجُوهِهِم ".
وأمَّا الذي في سُورة الكَهْف : فإنه يَصِحُّ فيه مَعْنى المُواجهة، والمُعَاينة، والجماعة صنْفاً صنْفاً، لأن المُراد بالعَذَاب : الجِنْس، وسَيَأتي له مَزِيد بَيَان.
و " قُبُلاً " نَصْب على الحَالِ - كما مَرَّ - من " كلِّ "، وإن كان نكرة ؛ لِعُمُومه، وتقدَّم أنَّه في أحد أوْجُهِهِ يُنْصَبُ على الظَّرف عند المُبَرِّد.
٣٨٠


الصفحة التالية
Icon