قيل " كذلك " نَسَقٌ على " كَذَلِكَ " قبلها ففيها ما فيها.
وقدَّرَهُ الزَّمْخَشَرِيُّ بأنّ معناه :" وكما جعلنا في مكَّةَ المشرفةِ صَنَاديدَهَا لِيَمْكُرُوا " يجوزُ أن تكون فيها، كذلك جعلْنَا في كل قريةٍ أكابرَ مجْرِميها " واللامُ في " لِيَمْكُرُوا " يجوزُ أن تكون للعقاقبة ؛ وأنْ تكونَ للعلَّة مَجَازاً، و " جَعَلَ " تَصْييريَّة، فتتعدَّى لاثنَيْنِ، واختُلِف في تقديرهما : والصحيحُ أنء تكُونَ " فِي قَرْيةٍ " مَفْعُولاً ثايناً قُدِّم على الأوَّل، والأولُ " أكابِر " مُضَافاً لمجرميها.
الثاني : أنَّ " فِي كُلَّ قَرْيَةٍ " مفعولٌ - مقدَّمٌ، و " أكَابِر " هو الأول، و " مُجْرِمِيهَا " بدلٌ من " أكَابِر " ؛ ذكر ذلك أبُو البقاء.
الثالث : أن يكُون " أكَابِر " معفولاً ثانياً قُدِّم، و " مُجْرِيمها " مَفْعُولٌ أول أخِّر، والتقديرُ : جَعَلءنا في كُلِّ قريةٍ مجرميها أكَابِرَ، فيتعلق الجارُّ بنفسِ الفِعْلِ قبلهح ذكر ذلك ابنُ عَطِيَّة.
قال أبُو حيَّان :" وما أجَازَاهُ - يعني : أبَا البَقَاءِ، وابنُ عَطيَّةَ٠ خطأٌ وذهولٌ عن قاعدةٍ نَحْويَّةٍ، وهي أنَّ أفْعَلَ التفضيلِ إذا كانت بـ " مِنْ " مَلْفُوظاً بها، أو مقدرةً، أو مُضَافة إلى نِكَرَة كانت مُفردةً على كُل حالٍ، سواءٌ كانت لمذكر، أم مؤنث، مُفْرَدٍ أم مُثَنى أمْ مَجْمُوعٍ، وإذا ثُنِّيَتْ أو جُمِعَتْ أو أنِّثَتْ وطابَقَتْ ما هي له، لَزِمَها أحَدُ أمْرَيْنِ : إمَّا الألف واللام، وإمَّا الإضافة لمعرفة.
وإذا تقرَّرَ ذلك، فالقولُ بكوْنِ " مُجْرِميهَا " بدلاً، أو بكونه مفعولاً أول، و " أكابر " مَفعولٌ ثانٍ - خَطَأٌ ؛ لاسْتلْزام أنْ يبقى " أكَابِرَ " مَجْمُوعاً وليست في ألِفٌ ولامٌ، ولا هِيَ مُضَافة لمعرفةٍ ".
قال :" وقد تنبِّه الكرمَانِيُّ إلى هذه القاعدة فقال : أضَاف " أكَابِر " إلى " مُجْرِميها " لأن أفْعَلَ لا يُجْمَعُ إلاَّ مع الألفِ واللامِ، أو مع الإضافة ".
قال أبُو حيَّان :" وكان يَنْبَغِي أنْ يُقَيَّد بالإضافة إلى معرفةٍ ".
قال شهابُ الدِّين : أما هذه القاعدةُ فمسلمة، ولكن قد ذكر مكِّي مِثْلَ ما ذُكِر عن ابْن عَطيَّة سواء، وما أظُنّه أخذ إلاَّ منه، وكذلك الواحديُّ أيضاً، ومنع أنْ تُجوَّز إضافةُ " أكَابر " إلى مجرميها " ؛ قال رحمه الله :" والآيةُ على التَّقْديمِ، والتأخير تقديرُه :
٤١٠
" جَعَلْنَاه مُجْرِميها أكَابر " ولا يجوز أن تكون الأكَابِر مضافةً ؛ لأنه لا يتمُّ المعنى، ويحتاجُ إلى إضْمار المفعول الثاني للجعل ؛ لأنك إذا قلت :" جعلتُ زَيْداً " وسكتَّ لم يُفِد الكلامُ حتى تقول : رَئِيساً أو َلِيلاً، أو ما أشبه ذلك، ولأنَّك إذا أضَفْتَ الأكَابِر، فقد أضَفْتَ النعتَ إلى المنعوت ؛ وذلك لا يجوزُ عند البَصْريِّين ".
قال شهابُ الدِّين : هذان الوجْهَانِ اللذان ردِّ بهما الواحديُّ لَيْسَا بِشَيْءٍ.
أمَّا الأولُ فلا نسلم أنا نُضْمِرُ المعفول الثاني، وأنه يَصِيرُ الكلامُ غيرَ مُفِيد، وأمَّا ما أوْرَده من الأمْثِلَةِ، فليس مُطَابِقاً ؛ لأنَّا نقولُ : إنَّ المفعول الثَّانِي - هنا - مذكورٌ مصرّحٌ به، هو الجارُّ والمجرورُ السابقُ.
وأما الثاني : فلا نُسَلِّم محذوفٌ، قالوا : وتقديرُه :" جعلنا في كُلِّ قرية أكَابر مُجْرميها فُسَّقاً لِيَمْكُرُوا " وهذا لَيْس بِشَيءٍ ؛ لأنه لا يحذفُ شيء إلاَّ لدليلٍ، والدليلُ على ما ذكروه غيرُ واضحٍ.
وقال ابنُ عطيَّة :" ويقالُ أكابرة كما يقالُ أحْمر وأحَامِرةَ " ؛ قال الشاعر :[الكامل] ٢٣٠٣ - إنَّ الأحَامِرَة الثَّلاثةَ أتْلَفَتْ
مَالِي وَكُنْتُ بِهِنَّ قِدْماً مُؤْلَعاَ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤١٠
قال ابو حيان :" ولا أعْلَمُ أحَداً أجاز في جَمْع أفْضَل أفَاضِلَة، بل نَصَّ النحويون على أن : أفْعَل التَّفْضِيل يجمعُ للمذكَّرِ على الأفضَلِين، أو على الأفاضل ".
قال شهابُ الدين : وهذه التاءُ يذكرها النحويونُ أنها تكون دَالَّةً على النسب في مِثْلِ هذه البنية، قالوا : الأزَارَقَة، والأشاعِثَة، وفي الأزْرَقِ ورهطه، والأشْعَث وبنيه، ولي بقياسٍ، ولَيْس هذا مِنْ ذلك في شَيْءٍ.
والجمهورُ على " أكَابِرَ " جَمْعاً.
وقرأ ابنُ مُسْلِم :" أكبر مجرميها " بالإفْرَادِ، وهو جائِزٌ، وذلك أنَّ أفعل التفضيل إذا أضيفت لمعرفة وأُريد بها غيرُ الإفْرَادِ، والتذكير ؛ جاز أنْ يُطابِق، كالقراءةِ المشهُورةِ
٤١١