" أعْلَمُ" هذه ؛ لما تقدَّم مِنْ أنَّ أفْعَلَ لا تنصبُ المفعول به.
قال أبُو عَلِيّ :" لا يجوزُ أنْ يكُونَ العامِلُ في " حَيْثُ " : فِعلاً يدُلُّ عليه " أعْلَمُ " و " حَيْثُ " لا يكونُ ظَرْفاً، بل يكونُ اسْماً، وانتصابُه على المفعلول به على الاتِّساعِن وملُ ذلك في انتصابِ " حَيْثُ " على المفعولِ به اتساعاً قولُ الشَّمَّاخِ :[الطويل] ٢٣٠٤ - وحَلأهَا عَنْ ذِي الأرَاكَةِ عَامِرٌ
أخُو الخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّوَاجِزُ
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤١٢
فـ " حَيْثُ " مفعولةٌ، لأنه لي يُريدُ أنه يَرْمِي شَيْئاً حيث تكون النواجِز، إنما يريدُ أنه يرمي ذلك الموضع ".
وتبع الناسُ الفَارسيَّ على هذا القول.
فقال الحوفِيُّ :" لَيْسَتْ ظَرْفاً ؛ لأنه تعالى لا يكُون فِي مكانٍ أعْلمَ منه في مكانِ آخر، وإذَا لم تكن ظَرْفاً، كان مَفْعُلاً بها ؛ على السِّعَةِ، وإذا كانت مَفْعُولاً، لم يعملْ فيها " أعْلَمُ " ؛ لأن " أعْلَمُ " لا يعملُ في المفعولِ بهِ فيقدّرُ لها فِعْلٌ " وعبارةُ ابْنِ عطيَّة، وأبِي البَقَاءِ نحو مِنْ هذا.
وأخذ البرِيزيُّ كلام الفارسيِّ [فنقله]، وأنْشدَ البيتَ المتقدِّمَ.
والثاني : أنَّها باقيةٌ على ظَرْفِيَّتِهَا بطري المجاز، وهذا القولُ لَيْسَ بشيءٍ، ولكنْ أجَازَهُ أبُو حيَّان مختاراً له على ما تقدم.
فقال :" وما أجازُواه مِنْ أنَّهُ مفعولٌ به على السعة أو مفعولٌ به على غيْرِ السعة - تَأبَاهُ قواعِدُ النَّحْو ؛ لأن النحويِّينَ نَصُّوا على أنَّ " حَيْثُ " مِنَ الظرُوفِ التي لا تتصرفُ، وشذَّ إضافةُ " لَدى " إليها، وجرِّها " بالياء "، وبـ " في "، ونصُّوا على أن الظرف المتوسَّعَ فيه لا يكونُ إلاَّ مُتَصرِّفاً، وإذا كان كذلك، امتنع نصبُ " حَيْثُ " على المفعُولِ به، لا على السِّعَة، ولا على غَيْرها.
والذي يَظْهَرُ لِي إقْرارُ " حَيْثُ " على الظَّرفيةِ المجازيَّةِ، على أنْ يُضَمَّنَ " أعْلَمُ " مَعْنَى ما تيعدِّى إلى الظرفِ، فيكون التقديرُ :" اللَّهُ أنْفَذُ عِلْماً حَيْثُ يجعلُ رِسَالاه " أي :" هو نافِذُ العلم في لاموضع الذي يجعل فيه رسالاته، والظرف هنا مجازٌ كما قلنا ".
قال شهابُ الدِّين : قد ترك ما قاله الجمهورُ، وتتابعوا عليه، وتأوَّل شَيْئاً هو
٤١٤
أعْظَم مما فَرَّ مِنْه الجمهورُ، وذلك أنه ليزمه على ما قدَّر أنَّ عِلْمَ الله في نَفْسِه يتفاوت بالنسْبَة إلى الأمْكِنَة، فيكونُ في مكانِ أبْعَدَ مِنْه في مكانٍ، ودعواه مجازُ الظرفيَّةِ لا ينفعهُ ؛ فيما ذكرته من الإشْكَال، وكيف يُقَالُ مِثْلُ هذا ؟ وقوله :" نَصَّ النحاةُ على عدم تصرُّفها " هذا معارضٌ - أيضاً - بأنهم نصُّا على أنها قد تتصرَّفُ بغير ما ذكر هو مِنْ كونها مجروةً بـ " لَدَى " أو " إلى " أو " فِي " فمنه : أنها جاءت اسماً لـ " إنَّ " في قوله الشاعر :[الخفيف] ٢٣٠٥ - إنَّ حَيْثُ اسْتَقَرَّ مَنْ أنْتَ رَاجيـ
ـهِ حِمًى فِيه عِزَّةٌ وأمَان
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤١٢
فـ " حيثُ " اسمُ " إن "، و " حِمًى " خبرُها، أيْ : إنَّ مكاناً استقرَّ من أنتن راعية مكانٌ يحمي فيه العزُّ والأمانْ ومِنْ مَجِيئها مجروةً بـ " إلى " قول القائل في ذلك :[الطويل] ٢٣٠٦ - فَشَدَّ وَلَمْ يُنْظِرْ بُيُوتاً كَثِيرةً
إلَى حَيْثُ ألْقَتْ رَحْلَهَا أمُّ قَشْعَمِ
وقد يجابُ عن الإشْكال الذي أوْرَدْتُه عليه، بأنه لم يُرِدْ بقوله " أنْفَذُ عِلْماً " التفضيل، وإنْ كان هو الظاهِرُ بل يُريد مُجَردَ الوصْفِ ؛ ويدلُّ على ذلك قوه : أي هُوَ نَافِذُ العلمل في الموضع الذي يَجْعَلُ فيه رِسَالاته، ولكن كان يَنْبَغِي أنْ يصرِّحَ بذلك، فيقول : ولَيٍ المراد التفضيل.
وروي " حَيْثَ يَجْعَلُ " بفتح الثاء، وفيها احتمالان : أحدهما : أنها فتحةُ بناْءٍ ؛ طَرْداً للباب.
والثاني : أنها فتحةُ إعرابٍ ؛ لأنها معربةٌ في لغةِ بَنِي فَقْعس، حكاها الكسَائِيُ.
[ وفي " حَيْثُ " سِتُّ لُغَاتِ : حَيْثُ : بالياء بتَثْلِيث الثاءِ، وحَوْثُ : بالواو، مع تَثْلِيث الثاء].
وقرأ ابنُ كثير، وحَفْصٌ عن عَاصم " رسالَتَه " بالإفراد، والباقون :" رِسَالاتِهِ " بالجمع، وقد تقدَّم توجيهُ ذلك في المائدة ؛ إلا أن بَعْضَ مَنْ قرـ هُناك بالجمْع - وهوحَفْصٌ - قرأ هنا بالإفْرادِ، وبعضُ مَنْ قرأ هناك بالإفْرَادِ - وهو أبو عَمْرو، والأخوانِ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصم - قرأ هنا بالجمع، ومعنى الكلام :" اللهُ أعْلَمُ بمَنْ هُوَ أحَقُّ بالرِّسالةِ ".
قوله :﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ﴾ قِيلَ : المرادُ بالصِّغَارِ ذلك وهوان يحصلُ لهم في الآخرة.
٤١٥