قوله تعالى : لما بيَّن أن ما تُوعَدُن، لآتٍ، أمر رَسُوله بَعْدَه أن يُهَدِّد من يُنْكر البَعْث من الكُفَّارِ.
وقرأ أبو بكر عن عَاصِم " مَكَانَاتِكُمْ " بالجَميع في كُلِّ القُرْآن، أي : على تَمَكُّنِكُمْ.
وقال عطاء : على حَالاتِكُم التي أنْتُم عليها، والباقون : مَكَانَتِكُمْ.
قال الواحدي : والوَجْه الإفْرَادُ ؛ لأنه مَصْدر، والمصادِرُ في أكْثر الأمْر مفْرَدة، وقد يُجْمَع في بعض الأحوالِ إلا أنَّ الغالبَ هو الأوَّل، فمن أفْرَد فلإرادة الجِنْسِ، ومن جَمَع فَليُطَابق ما بَعْدَه، فإن المخَاطِبين جماعة، وقد أُضِيفَت إلَيْهم، وقد علم أن الكُلَّ وَاحِد مَكانه.
قال الزمخشري : المكانَةُ تكون مَصْدراً ؛ يقال : مكَنَ مَكَانَةً إذا تمكَّنَ أبْلَغ التمكّن، وبعنى المكان ؛ يقال : مكان ومكانة، ومقام ومقامة، فقوله :" اعْملُوا على مَكَانِتِكُم " يحتمل " اعْملُوا " على تمكُّنِكُم من أمْرِكُم وأقْصَى اسْتِطَاعَتِكُم وإمكَانِكُم وإمْكانكم، قال معْنَاه أبو إسحاق الزَّجَّاج، وعلى الثاني : أعْمَلُوا على جِهْتِكم وحَالِكُم التي أنْتُم عليها.
قوله :" إني عامل " على مَكَانتي الَّتِي أنا عليها، والمعنى : أثْبُتُوا على عَدَاوَتِكُم وكُفْرِكُم، فإني ثابتٌ على الإسلام وعلى مَضَارَّتِكُم، " فَسوْفَ تَعْلَمُون " أيُّنَا يَنَال العَاقِبة المحمُودة، وهذا أمْر تَهْدِيد ؛ كقوله :" اعملُوا ما شِئْتُم ".
قوله :" مَنْ تَكُونُ لَهُ " يَجُوز في " مَنْ " هذه وجهان : أحدهما : أن تكون موصولة وهو الظَّاهِر، فهي في محلَِّ نَصْب مفْعُولاً به، و " عَلِمَ هنا مُتَعَدِّية لواحد ؛ لأنَّها بمعنى العِرْفَان.
٤٤٠
الثاني : أن تكون استِفْهَاميَّة، فتكون في محلِّ رفع بالابتداء، و " تكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ " تكون واسْمُهَا وخَبَرُهَا في محلِّ رفع خبراً لها، وهي خبرها في محلِّ نَصْبٍ : إمَّا لسَدِّها مَسَدَّ مَفْعُول وَاحِدٍ إن كانت " عَلِمَ " عِرْفَانيَّة، وإمَّا لسدِّها مسدَّ اثنين إن كان يقينيّة.
وقرأ الأخوان :" مَنْ يكُون لَهُ عَاقِبةُ الدَّارِ " هنا، وفي " القصص " [الآية : ٣٧] بالياء، والباقون : بالتاء من فوق، وهما واضحتان، فإن تأنيثها غير حَقِيقِيّ، وقد تقدم ذَلِك في قوله :﴿وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقر : ١٢٣].
وقوله :﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُون﴾.
قال ابن عباس : أي لا يَسْعَد من كَفَر بي وأشْرَك.
وقال الضَّحَّاك : لا يَفُوز.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٤٤٠
لما بيَّن قُبح طريقهم في إنْكَار البَعْثِ، ذكر بعْده أنواعاً من جهالتِهم ؛ تنبيهاً على ضَعْفِ عُقُولهم وتَنْفِيراً للعُقلاء عن الالْتِفَات إلى كَلِمَاتِهِم، فمن جملتها أن يَجْعَلُوا لله من حَرْثِهِم ومن أنْعَامِهِم نَصِيباً.
و " جَعَل " هنا بمعنى " صيَّر " فيتعدَّى لاثْنَيْن : أولهما :" نَصِيباً، والثاني : قوله " لِلَّه " ط و " ممَّا ذَرَأ " يجُوز أن يتعلَّق بـ " الجَعْل " وأن يتعلَّق بمحذُوف ؛ لأنه كان في الأصْلِ صِفَة لـ " نَصِيباً " فلما قُدِّم عليه انْتَصب حالاً، والتقدير : وجَعَلُوا نصيباً ممَا ذَرَأ [اللَّه] و " مِنْ الحَرْثِ " يجُوز أن يكُون بدلاً " ممَّا ذَرَا " بإعادة العَامِل ؛ كأنه قيل وجعلُوا لِلَّه من الحَرْث والأنْعَام نَصِيباً، ويجُوز أن يتعلَّق بـ " ذَرَأ " وأن يتعلَّق بمَحْذُوفٍ على أنه حال : إمَّا من " مَا " الموصُولة، وأو مِنْ عَائِدِها المحْذُوف، وفي الكلام حَذْف مَفْعُول اقْتَضَاه [التقْسِيم]، والتقدير : وجَعَلُوا للَّه نَصيباً من كذا، ولشُركَائِهِم نَصيباً منه يدلُّ عليه ما بَعْدَه من قوله :﴿فَقَالُواْ هَـذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـاذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾ [و " هذا لِلَّه " جملة مَنْصُوبة المَحَلِّ بالقولِ، وكذلك قوله :" وهَذَا لِشُرَكَائِنَا " ] وقوله :" بزَعْمِهِم " فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلَّق بـ " قَالُوا " أي : فقالُوا ذلك القَوْل بزَعْم لا بيقينٍ واسْتِبْصَار.
٤٤١